في كل محطة مفصلية تعيشها القضية الفلسطينية، تخرج الأبواق المشبوهة ولجان الذباب الإلكتروني لتشن حملات منظمة هدفها التشويش والتحريض وبث الفوضى داخل الساحة الوطنية الفلسطينية. ومع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح، تصاعدت بشكل لافت موجات الإشاعات المفبركة والمنشورات المضللة التي تقودها حسابات وصفحات مرتبطة بخطاب التحريض والانقسام، في محاولة مكشوفة لضرب وحدة الحركة الوطنية والتأثير على أجواء المؤتمر وقراراته.
ويأتي انعقاد المؤتمر الثامن في ظرف سياسي وتنظيمي شديد الحساسية، حيث تشارك فيه آلاف الكوادر من الداخل والخارج لبحث مستقبل الحركة وتجديد مؤسساتها القيادية. لكن بدلاً من التعامل مع هذا الحدث الوطني بمسؤولية، انطلقت ماكينة التحريض الإلكترونية لنشر الأكاذيب حول “خلافات وانشقاقات” و”صراعات داخلية” و”تفاهمات سرية”، دون أي مصادر موثوقة أو أدلة حقيقية، في تكرار لأسلوب الدعاية السوداء الذي يعتمد على القص واللصق وفبركة الصور والتصريحات.
اللافت أن كثيراً من هذه الحسابات لا تهدف إلى النقد السياسي الطبيعي، بل تعمل ضمن حملات ممنهجة تعتمد على التضليل والتكرار وإثارة الفتن، مستغلة حالة الاستقطاب التي تعيشها الساحة الفلسطينية. وقد أظهرت دراسات عديدة حول الدعاية الرقمية وخطاب الكراهية على وسائل التواصل أن الشبكات المنظمة قادرة على تضخيم الإشاعات ودفعها لتبدو وكأنها “رأي عام”، رغم أنها في الحقيقة مجرد غرف إلكترونية مغلقة تديرها حسابات وهمية وممولة.
إن الهجوم على مؤتمر فتح لا يمكن فصله عن حالة القلق التي تعيشها بعض الجهات من أي حالة نهوض وطني فلسطيني تعيد الاعتبار للمشروع الوطني الجامع. فالمؤتمر الثامن يمثل محطة تنظيمية مهمة لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي وتجديد مؤسساته السياسية والتنظيمية، وهو ما يفسر حجم الاستنفار الإعلامي والتحريض الإلكتروني الذي سبق انعقاده وتزامن معه.
كما أن جزءاً كبيراً من الخطاب المتداول عبر هذه المنصات يعتمد على التخوين والتشهير الشخصي واستهداف الرموز الوطنية والقيادات الفتحاوية، في محاولة لإضعاف الثقة الشعبية بالحركة وتقديم صورة مشوهة عن الواقع الداخلي. هذا النوع من الخطاب لا يخدم سوى الاحتلال الإسرائيلي الذي طالما استفاد من الانقسام الفلسطيني ومن حملات التحريض المتبادل بين أبناء الشعب الواحد.
ورغم الضجيج الإلكتروني، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن حركة فتح ما زالت تشكل العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، والحركة التي قادت النضال السياسي والدبلوماسي لعقود طويلة، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى دفاعاً عن القضية الفلسطينية. والمؤتمرات التنظيمية داخل الحركة تبقى شأناً وطنياً يخص أبناءها وأطرها الشرعية، بعيداً عن حملات الابتزاز الإلكتروني والفوضى الإعلامية.
إن مواجهة الإشاعات اليوم لم تعد مسؤولية تنظيمية فقط، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية، تتطلب وعياً شعبياً وإعلاماً مهنياً يرفض الانجرار خلف الحسابات المجهولة والمحتوى المفبرك. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل أصبحت أيضاً معركة وعي وحقيقة في مواجهة جيوش إلكترونية تتقن الكذب أكثر مما تتقن العمل الوطني.