في كل محطة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، تخرج علينا جيوش إلكترونية وصفحات مشبوهة تسعى إلى خلط الأوراق وتشويه الحقائق، مستغلة حالة الغضب الشعبي والدم الفلسطيني النازف في قطاع غزة، لتوجيه سهام التحريض نحو السلطة الفلسطينية في رام الله عبر اتهامات خطيرة تزعم دعمها لمليشيات مسلحة متعاونة مع الجيش الإسرائيلي داخل القطاع.
هذه الادعاءات التي يجري ضخها بشكل منظم عبر منصات محسوبة على حركة حماس ولجان الذباب الإلكتروني، لا تستند إلى أي دليل موثق أو معلومة رسمية، بل تعتمد على الشائعات والتضليل والتلاعب بالعواطف بهدف تصفية الحسابات السياسية والهروب من المسؤولية الوطنية والأخلاقية عن الكارثة التي يعيشها الفلسطينيون.
الوقائع المنشورة في تقارير إعلامية دولية وإقليمية تحدثت بالفعل عن وجود مجموعات مسلحة محلية داخل قطاع غزة تتلقى دعماً مباشراً من الاحتلال الإسرائيلي، سواء بالسلاح أو المال أو الغطاء الاستخباراتي والجوي. إلا أن هذه التقارير لم تقدم أي دليل يربط السلطة الفلسطينية بهذه المجموعات، بل أكدت أن إسرائيل تدير هذا الملف بصورة مستقلة لخدمة أهدافها الأمنية والسياسية داخل القطاع.
كما تحدثت تقارير صحفية عن عمليات نفذتها مجموعات مسلحة مرتبطة بشكل مباشر بالاحتلال الإسرائيلي ضد حركة حماس في بعض مناطق القطاع، وسط اعترافات إسرائيلية ضمنية باستخدام هذه الأدوات في إطار حرب الوكالة داخل غزة.
لكن اللافت أن ماكينة التحريض التابعة لحماس تجاهلت عمداً ذكر الاحتلال الإسرائيلي باعتباره الجهة الراعية لهذه المليشيات، وبدلاً من ذلك ركزت حملاتها على السلطة الفلسطينية، في محاولة واضحة لتصدير الأزمة نحو رام الله وإثارة الشارع الفلسطيني ضد القيادة الفلسطينية.
إن السلطة الفلسطينية، ورغم كل الخلافات السياسية القائمة، أعلنت مراراً تمسكها بوحدة النظام السياسي الفلسطيني ورفضها لأي مظاهر للفوضى المسلحة أو تشكيل جماعات خارجة عن القانون. كما أن الموقف الرسمي الفلسطيني لطالما أكد ضرورة توحيد السلاح تحت مظلة الشرعية الفلسطينية وليس عبر المليشيات أو الجماعات المرتبطة بأجندات خارجية.
ما يجري اليوم من حملات تحريض منظمة ليس بريئاً، بل يأتي في سياق صناعة عدو داخلي جديد لتبرير حالة الانهيار والفوضى التي يعيشها قطاع غزة بعد سنوات طويلة من الانقسام وسيطرة الأمر الواقع. فبدلاً من مصارحة الناس بحقائق المشهد الكارثي، يتم توجيه الغضب الشعبي نحو السلطة الفلسطينية عبر روايات غير موثقة وأخبار مفبركة يجري تدويرها آلاف المرات بواسطة حسابات وهمية ولجان إلكترونية متخصصة في التضليل.
الدراسات المتعلقة بالحروب الإلكترونية والدعاية السياسية تؤكد أن الجيوش الرقمية تلعب دوراً كبيراً في توجيه الرأي العام وصناعة السرديات السياسية، عبر إعادة نشر المعلومات المضللة بشكل مكثف ومنظم حتى تتحول الشائعة إلى “حقيقة” في نظر البعض.
وهذا تماماً ما يحدث في الحالة الفلسطينية اليوم، حيث يتم استغلال معاناة الناس وآلامهم لتغذية خطاب الكراهية والانقسام الداخلي.
إن تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية تشكيل أو دعم مليشيات مرتبطة بالاحتلال، دون وثيقة أو دليل أو تصريح رسمي، ليس سوى محاولة مكشوفة لتشويه الخصوم السياسيين وإعفاء الاحتلال الإسرائيلي من مسؤوليته المباشرة عن صناعة الفوضى داخل قطاع غزة.
فالاحتلال هو المستفيد الأول من الانقسام الفلسطيني، وهو الذي اعترف إعلامه ومسؤولوه باستخدام جماعات محلية في مواجهة خصومه داخل القطاع.
وفي ظل هذه المرحلة الخطيرة، يصبح من الواجب الوطني والأخلاقي على الفلسطينيين التمييز بين الحقيقة والدعاية، وعدم الانجرار خلف الحملات الإلكترونية السوداء التي تسعى إلى تمزيق النسيج الوطني الفلسطيني وإشعال الفتنة الداخلية.
فالقضية الفلسطينية أكبر من الحسابات الحزبية الضيقة، وأخطر ما يمكن أن يواجه الشعب الفلسطيني اليوم ليس فقط آلة الحرب الإسرائيلية، بل أيضاً ماكينة التحريض والكذب التي تحاول تحويل الفلسطيني إلى عدو لأخيه الفلسطيني خدمة لأجندات سياسية ضيقة ومصالح فئوية لا علاقة لها بالمشروع الوطني.