في مشهد بات يتكرر بصورة لافتة على منصات التواصل الاجتماعي، تتعرض شخصيات وناشطون فلسطينيون لحملات منظمة من التشهير والتخوين بمجرد إعلان مواقف سياسية مخالفة أو توجيه انتقادات لأداء الفصائل والقوى السياسية. وتتحول ساحات النقاش من مساحة للحوار وتبادل الرأي إلى منصات لإطلاق الاتهامات الجاهزة ومحاكمات النوايا.
وخلال الأيام الأخيرة، برزت حملة استهدفت الناشطة الفلسطينية رواء الخزندار، حيث جرى تداول اتهامات خطيرة بحقها عبر حسابات وصفحات إلكترونية، وصلت إلى حد ربطها بأجهزة استخبارات إسرائيلية ووحدة 8200 الشهيرة. غير أن مثل هذه الادعاءات، رغم خطورتها البالغة، جرى تداولها على نطاق واسع دون تقديم أدلة موثقة أو وثائق يمكن التحقق منها بشكل مستقل.
إن أخطر ما في هذه الحملات ليس استهداف شخص بعينه، بل ترسيخ ثقافة التخوين كبديل عن النقاش. فعندما يصبح الرد على الرأي المخالف هو اتهام صاحبه بالعمالة أو الارتباط بأجهزة استخباراتية، فإن ذلك يعكس أزمة عميقة في قبول التعددية السياسية واحترام حق الاختلاف.
لقد شهد الفضاء الفلسطيني خلال السنوات الماضية موجات متكررة من الاتهامات الجاهزة التي تُستخدم ضد الصحفيين والباحثين والناشطين والمعارضين. وفي كثير من الأحيان تتحول هذه الاتهامات إلى وسيلة لإسكات الأصوات الناقدة وإخراجها من دائرة النقاش العام عبر تشويه السمعة والتحريض الجماهيري.
وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تقودها حسابات مجهولة أو شبكات إلكترونية تعمل بصورة منسقة، إذ يتم إنتاج رواية موحدة وتكرارها آلاف المرات لإيهام المتابعين بأنها حقيقة ثابتة، بينما تكون في الواقع مجرد مزاعم تفتقر إلى الإثبات. وتشير دراسات عديدة إلى أن الأخبار الكاذبة وحملات التشهير الرقمية قادرة على الانتشار بسرعة كبيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما ترتبط بقضايا سياسية واستقطابية.
ولا يختلف اثنان على أن الاتهام بالتعاون مع أجهزة استخبارات أو العمل لصالح جهات معادية يعد من أخطر الاتهامات التي يمكن توجيهها لأي شخص، ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقتضي أن يستند أي اتهام من هذا النوع إلى أدلة واضحة وقابلة للتحقق، لا إلى منشورات مجهولة أو حملات تحريضية أو خلافات سياسية.
إن الدفاع عن حرية الرأي لا يعني الاتفاق مع كل ما يقوله الناشطون أو المعارضون، لكنه يعني رفض تحويل الاختلاف السياسي إلى تهمة جاهزة. فالمجتمعات التي تحترم نفسها تحاكم الأفكار بالحجة، وتواجه الرأي بالرأي، ولا تستبدل النقاش بحملات التشهير.
ويبقى الحق في النقد والمعارضة جزءاً أصيلاً من أي مجتمع حي، أما التخوين والتشهير فهما طريقان يقودان إلى مزيد من الانقسام والكراهية، ويقوضان فرص بناء حوار وطني قائم على الحقائق والاحترام المتبادل.