شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 2 مارس 2026

سعيد بشارة .. حين تتحول الحرية إلى جحود… سقوط أخلاقي على أنقاض غزة

سعيد بشارة .. حين تتحول الحرية إلى جحود… سقوط أخلاقي على أنقاض غزة

قضية المدعو سعيد بشارات ليست مجرد خلاف شخصي أو سجال عابر على وسائل التواصل، بل هي جرح أخلاقي مفتوح في خاصرة شعبٍ ما زال ينزف.

هذا الرجل، الذي خرج من سجون الاحتلال الإسرائيلي في سياق صفقات وتفاهمات جاءت على وقع دماء غزة وركام بيوتها وأشلاء أطفالها، كان يفترض أن يكون أول من ينحني إجلالًا أمام تلك التضحيات. كان يُفترض أن يقول كلمة شكر، أن يلتزم الصمت على الأقل، أن يحفظ حرمة الألم الذي فُتح له باب الحرية.

لكن ما حدث كان صادمًا.

خرج ليشتم أهل غزة.
ليتطاول بعبارات نابية على مدينة دفعت أثمانًا لا تُحصى.
ليتنكر لفضل من كانوا، شاء أم أبى، جزءًا من معادلة خروجه من خلف القضبان.

غزة لم تكن نزهة سياسية.
لم تكن بيانًا صحفيًا.
كانت جوعًا وحصارًا وقصفًا ودمارًا شاملًا.
كانت أمهات ينتظرن أبناءهن تحت الركام.
كانت عائلات كاملة تُمحى من السجل المدني.

ومن قلب هذا الألم، خرج أسرى.

حين يخرج أسير محرر ويختار أن يكون أول موقف له هو الإساءة لمن دفعوا الثمن، فإن المسألة تتجاوز الغضب العاطفي؛ إنها أزمة ضمير. فالأسرى كانوا دومًا عنوان وحدة، ورمز كرامة، ومحل إجماع وطني. وأي تصرف يُسقط هذا المعنى يسيء أولًا لقضية الأسرى قبل أن يسيء لأهل غزة.

الأخطر من ذلك، أن شهادات متداولة من داخل السجون تشير إلى ممارسات مسيئة بحق أسرى من غزة. إن صحت هذه الشهادات، فنحن أمام صورة مؤلمة: إساءة داخل الزنازين، ثم إساءة بعد الحرية. وفي الحالتين، الخاسر هو النسيج الوطني.

لا أحد يطالب بالتقديس الأعمى.
ولا أحد يُنكر حق الاختلاف السياسي.
لكن هناك حدًا فاصلًا بين النقد والسباب، بين الرأي والانحدار الأخلاقي.

غزة ليست كيانًا سياسيًا حتى تُشتم.
غزة بشر.
أمهات، أطفال، شيوخ، جرحى، بيوت مهدمة.

والوفاء ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل سلوك يُختبر عند الحرية.

إن من يخرج من السجن محمولًا على أكتاف التضحيات، ثم يختار أن يدهس تلك الأكتاف بكلمات سوقية، عليه أن يدرك أن الذاكرة الوطنية لا تنسى. فالتاريخ لا يكتب فقط أسماء من صمدوا، بل يسجل أيضًا أسماء من سقطوا أخلاقيًا بعد أن فُتحت لهم الأبواب.

غزة اليوم ليست بحاجة إلى خطب.
هي بحاجة إلى من يضمّد جراحها، لا من يزيدها نزفًا.

ومن يظن أن الحرية تعني الانفلات من المسؤولية، لم يفهم بعد أن الحرية الحقيقية تبدأ عند احترام دم الناس، لا عند إهانتهم.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.