شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 3 مارس 2026

سياسة النأي بالنفس… خيار الدولة لا خيار الميليشيا

سياسة النأي بالنفس… خيار الدولة لا خيار الميليشيا

في زمنٍ تتداخل فيه النيران الإقليمية مع الحسابات الدولية، وتتحول فيه المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح بين مشاريع متنازعة، اختارت السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس طريقًا مختلفًا: سياسة النأي بالنفس.
اختيارٌ قد لا يرضي دعاة الشعارات الصاخبة، لكنه ينسجم مع منطق الدولة، ويحمي ما تبقى من القضية الفلسطينية من أن تُختطف إلى ساحات لا تخدم شعبها.

النأي بالنفس… خيار الدولة لا خيار الميليشيا

السلطة الوطنية الفلسطينية، بوصفها الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني في المحافل الدولية من خلال منظمة التحرير الفلسطينية، تدرك أن الزج بالقضية في محاور إقليمية متصارعة يعني فقدان استقلال القرار الوطني.
فحين تتصاعد التوترات بين قوى إقليمية كبرى، يكون الانحياز العاطفي إلى هذا الطرف أو ذاك مقامرة سياسية خطرة، قد تجرّ الفلسطينيين إلى مواجهات لا يملكون أدواتها ولا يتحكمون في نتائجها.

سياسة النأي بالنفس ليست حيادًا أخلاقيًا تجاه معاناة الشعوب، بل هي تحييد للقضية الفلسطينية عن صراعات الآخرين. وهي رسالة واضحة مفادها أن فلسطين ليست ورقة تفاوض في يد أحد، وليست منصة لإرسال الرسائل العسكرية أو السياسية بالوكالة.

المقامرة بالمصير… حين يصبح القرار رهينة المحاور

في المقابل، اختارت حركة حماس منذ سنوات الارتباط بمحاور إقليمية محددة، وربطت قرارها السياسي والعسكري بحسابات تتجاوز حدود غزة والضفة الغربية.
هذا الارتباط لم يكن مجانيًا، ولم يكن دون أثمان.

عندما تُتخذ قرارات مصيرية دون إجماع وطني، ودون حساب دقيق لموازين القوى، يصبح الشعب هو من يدفع الثمن.
غزة التي تعاني حصارًا خانقًا، وبنية تحتية مدمرة، واقتصادًا منهكًا، ليست ساحة تجارب لمشاريع إقليمية، ولا حلبة لاستعراض القوة.

القرار الوطني يجب أن يكون فلسطينيًا خالصًا، منبثقًا من قراءة واقعية لمصالح الشعب، لا من حسابات داعمين خارجيين أو رهانات على تغيرات إقليمية غير مضمونة.

الواقعية السياسية… حماية للهوية والتمثيل

سياسة السلطة في النأي بالنفس تحافظ على:

  1. وحدة التمثيل السياسي أمام المجتمع الدولي.
  2. استمرار الدعم الدولي للمؤسسات الفلسطينية.
  3. منع تصنيف القضية ضمن صراعات إقليمية مسلحة.
  4. الحفاظ على القرار الفلسطيني مستقلًا قدر الإمكان.

في عالم تحكمه المصالح، لا يمكن لقضية عادلة أن تنتصر بالشعارات وحدها. تحتاج إلى خطاب عقلاني، وإلى حضور دبلوماسي فاعل، وإلى تجنيب الشعب ويلات حروب الآخرين.

بين الدولة والمغامرة

الفرق الجوهري بين نهج السلطة ونهج حماس يكمن في مفهوم الدولة ذاته.
السلطة، رغم كل التحديات والانتقادات، تتحرك ضمن إطار مؤسساتي وقانوني، وتسعى إلى تثبيت الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية.
أما خيار عسكرة القرار وربطه بمحاور إقليمية، فيحمل خطر تحويل فلسطين إلى ساحة اشتباك دائم.

القضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في ردود أفعال، وأعمق من أن تُدار بمنطق المغالبة.
هي قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال، لا إلى أن يكون بندًا في أجندة صراعات الآخرين.

حماية ما تبقى

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يبدو أن سياسة النأي بالنفس ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية.
قد تكون طريقًا بطيئًا، وقد لا تُرضي جمهور الخطابات الحماسية، لكنها تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي، وتحمي القرار الوطني من الارتهان.

بين من يراهن على العاصفة، ومن يحاول تجنيب شعبه آثارها، يبقى السؤال الحقيقي:
هل نريد دولة تُبنى بالعقل والصبر، أم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات؟

الجواب، في النهاية، يجب أن يكون فلسطينيًا خالصًا… لا إقليميًا ولا أيديولوجيًا.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.