شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 3 مارس 2026

“العزلة المزعومة… حملة تضليل تفشل في إسقاط الشرعية الدولية للسلطة الوطنية الفلسطينية”

“العزلة المزعومة… حملة تضليل تفشل في إسقاط الشرعية الدولية للسلطة الوطنية الفلسطينية”

في عصر يشهد انقسامات حادة وتحولات جيو-سياسية في الشرق الأوسط، تتابع جماهير عربية وقبلية على منصات التواصل حملة ممنهجة لإلباس السلطة الوطنية الفلسطينية ثوب العزلة المطلقة. هذه الحملة لا تستند إلى تحليل موضوعي لعلاقاتها الدولية، بل تُبنى على اختزال الواقع السياسي إلى صور متفرّقة ومنشورات استعراضية لا تمت للسياسة الواقعية بصلة.

في الواقع، فإن الدولة الفلسطينية — ككيان قانوني ودبلوماسي — معترف بها من قبل أكثر من 157 دولة من أصل 193 في الأمم المتحدة، أي أن أكثر من 80٪ من دول العالم أعلنت صراحة دعمها لحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، وهي علاقة دبلوماسية رسمية وليست هامشية ولا رمزية فقط.

هذا الاعتراف لم يتحقق في فراغ سياسي؛ بل هو نتاج جهود طويلة للقيادة الفلسطينية للوصول إلى منصة الاعتراف الدولي، رغم العقبات الهائلة التي تُفرض من قبل أطراف دولية معاكسة. الاعتراف الدولي يعطي السلطة الفلسطينية أدوات قانونية ودبلوماسية مهمة، منها التمكن من مقاضاة الاحتلال في المحافل الدولية وخلق أرضية شرعية لمفاوضات مستقبلية.

الدعم الأوروبي والعالمي لا زال قائماً… وليس عزلة مطلقة

منهجية الادعاء بـ«العزلة» تجاه السلطة لا تلتقط حقيقة الدعم الدولي الفعلي الذي لم يتراجع حتى مع التعقيدات السياسية الراهنة. الاتحاد الأوروبي، أكبر مانح للمناطق الفلسطينية، تعهّد في عام 2025 بحزمة دعم مالية ضخمة تُقدَّر بنحو 1.6 مليار يورو للسلطة وللمشروعات الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية وفي مناطق أخرى، ضمن شروط الإصلاح والحكم الرشيد.

هذا الدعم ليس دعمًا شكليًا بل سياسيًا واستراتيجيًا، لأن الاتحاد الأوروبي يرى في السلطة شريكًا شرعيًا في إدارة الشؤون المدنية وإمكانية أن تلعب دوراً مستقراً حتى في مرحلة ما بعد الحرب على غزة.

بالطبع، الدعم مرتبط بمطالب بالإصلاح ومكافحة الفساد ورفع كفاءة الإدارة — وهي مطالب مشروعة في أي علاقة دولية — لكن هذا لا يعني عزلة، بل يعني مواصلة شراكة سياسية مع التزامات واضحة.

العرب والدول الإسلامية لن يتخلوا عن القضية

الرواية التي تُروج لها مواقع مشبوهة تُسقط تماماً أن هناك تضامناً عربياً وإسلامياً واسعاً مع الحق الفلسطيني. أكثر من دولة عضوة في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تبدي تأييداً للشرعية الفلسطينية، وتدعو لوقف الاحتلال وحماية المدنيين. ندرة التغطية العادلة لهذه الجبهات في وسائل الإعلام الموجهة تخلق وهمًا بعزل السلطة، بينما على الأرض العلاقات السياسية والاجتماعية لم تتوقف مع عواصم عربية حيوية.

بالإضافة إلى ذلك، كثير من الدول غير العربية دعمت الاعتراف بفلسطين أو عملت على تقوية العلاقات الرسمية مع السلطة أو المؤسسات الفلسطينية، مثل باكستان والمكسيك وبروناي ومنظمات دولية أخرى.

المفاوضات والدور المستقبلي ليس منتهياً

مطالب البعض برؤية السلطة الفلسطينية ككيان «منعزل» تتجاهل أن السلطة نفسها جزء من العملية السياسية في تسوية الصراع، سواء من خلال الاعتراف الدولي أو من خلال الخطط التي تدعم حل الدولتين. في سبتمبر 2025، أظهرت خطط الأمم المتحدة الخاصة بحل الدولتين ضرورة بقاء السلطة الوطنية الفلسطينية كطرف أساسي في المستقبل السياسي، بما في ذلك إدارة الأمن الداخلي والنواحي المدنية، تحت إشراف دولي، إذا ما تم التوصل إلى وقف إطلاق النار طويل الأمد.

هذا ينفي بشكل قاطع الادعاء بأن السلطة «منبوذة» أو «مستبعدة من المشهد الدولي»، ويضعها في موضع شريك فعلي في أي حل سياسي مستقبلي.

الدعاية المضادة للسلطة ليست جديدة… لكنها مضللة

الأسلوب الذي تستخدمه بعض المواقع والمناصرين عبر الإنترنت في توصيف الحالة الفلسطينية اليوم هو في جوهره تشويه متعمد أو مبالغة سياسية لا تأخذ في اعتبارها الوقائع الدولية.

هذه المواقع كثيراً ما تُوظّف مشاعر الجمهور والظروف الإنسانية الصعبة في غزة والضفة، وتحوّل النقد المشروع إلى دعاوى مبالغ فيها:

  • أن السلطة «تخلّت عنها كل الدول»
  • أن الاعتراف الدولي لا يُحسب
  • أن السلطة عاجزة عن أن يكون لها تأثير في الساحة الدولية
  • وأن الدعم المالي بات معدوماً

كل هذه الادعاءات تفتقد لما هو ثابت ووثّقته الاتفاقيات الدولية وعلاقات الاعتراف والسياسة الدولية.

 الدولة الفلسطينية ليست عزلة… لكن الطريق صعب

صحيح أن السلطة الوطنية الفلسطينية تواجه تحديات جسيمة ومشكلات داخلية حقيقية: من انتقادات حول الأداء المؤسسي، إلى ضعف الوحدة السياسية، إلى ضغوط الاحتلال، وإلى الحاجة لإصلاحات هيكلية حقيقية.

لكن أن نحول هذه التحديات إلى مغالطة كلية عن «العزلة الكاملة» هو تخفيض للواقع السياسي المتشعب وإساءة لفهم ما يجري على الساحة الدولية. الواقع هو أن السلطة ــ رغم إخفاقاتها ــ ما زالت جزءًا فاعلاً في النظام الدولي، وتتمتع باعتراف واسع، وتلعب دوراً مركزياً في أي مخطط سياسي لحل الصراع، وتستمر في الحفاظ على علاقات دبلوماسية مع عواصم كبرى ومجموعات إقليمية.

في النهاية، إن خطاب التشويه الإعلامي الذي يصور السلطة الفلسطينية كمنبوذة يخدم أجندات أخرى، بينما السياسة الواقعية دبلوماسياً هي عكس ذلك تماماً.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.