لم يعد ما يجري في قطاع غزة مجرد خلاف سياسي أو سجال داخلي بين تيارات فلسطينية مختلفة، بل أصبح واقعًا قاتمًا تُكمم فيه الأفواه وتُكسر فيه العظام لأن صاحبها تجرأ وقال كلمة حق. آخر فصول هذا المشهد المؤلم تمثل في اختطاف الناشط الفلسطيني أشرف نصر والاعتداء الوحشي عليه من قبل عناصر تابعة لحركة حماس، في جريمة صادمة تكشف مرة أخرى الوجه القمعي الذي تحاول الحركة إخفاءه خلف شعارات المقاومة.
ما تعرض له أشرف نصر ليس حادثة عابرة، بل فعلٌ همجيّ يرقى إلى مستوى الجريمة السياسية والأخلاقية. فاختطاف ناشط بسبب رأيه، ثم الاعتداء عليه وكسر أطرافه، هو إعلان صريح بأن غزة باتت تُدار بعقلية الميليشيا لا بعقلية حركة تحرر وطني. فبدل أن تكون غزة مساحة لصمود الفلسطينيين وكرامتهم، يحاول البعض تحويلها إلى ساحة ترهيب لكل من يرفع صوته منتقدًا أو معارضًا.
إن الجريمة التي ارتكبت بحق أشرف نصر تكشف بوضوح حجم الأزمة التي تعيشها حركة حماس في تعاملها مع المجتمع الغزي. فبدل أن تواجه الانتقادات بالحوار أو المراجعة، تلجأ إلى الأساليب الأكثر قمعًا: الاختطاف، الاعتداء، والتنكيل. وكأن الرسالة التي تريد إيصالها لكل فلسطيني في غزة هي: “اصمت… أو سيكون مصيرك كمصير أشرف نصر”.
لكن الحقيقة التي يغفلها من يمارس هذا القمع أن غزة لم تعد تلك البقعة الصامتة التي يمكن إخضاعها بالعنف. أهل غزة الذين دفعوا أثمانًا باهظة من دمائهم وبيوتهم وأحلامهم، لن يقبلوا أن يتحولوا إلى رهائن لدى أي جهة، مهما رفعت من شعارات أو ادعت احتكار الوطنية.
إن الاعتداء الوحشي على أشرف نصر ليس فقط اعتداء على شخصه، بل هو اعتداء على حرية الرأي، وعلى كرامة المجتمع الفلسطيني بأكمله. فحين يُكسر جسد ناشط لأنه انتقد سلطة الأمر الواقع، فإن الرسالة تتجاوز الفرد لتطال المجتمع كله. إنها محاولة لإخضاع الجميع عبر نموذج الرعب.
ولعل الأكثر خطورة في هذه الجريمة أنها تأتي في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أصعب مراحله الإنسانية والسياسية. الناس تبحث عن الأمان، عن لقمة العيش، عن بصيص أمل وسط الركام والدمار. لكن بدل أن تُسمع أصواتهم ويُصان حقهم في النقد والمساءلة، يتم التعامل معهم كخصوم يجب إسكاتهم بالقوة.
هذه ليست مقاومة… بل قمع.
المقاومة الحقيقية لا تخاف من الكلمة، ولا تكسر عظام أبناء شعبها لأنهم انتقدوا أو اعترضوا. المقاومة التي تخاف من صوت ناشط أعزل هي مقاومة فقدت ثقتها بنفسها قبل أن تفقد ثقة الناس بها.
قضية أشرف نصر تفتح الباب واسعًا أمام سؤال مؤلم لكنه ضروري: إلى متى سيبقى بعض الفلسطينيين عرضة للقمع لأنهم يرفضون الصمت؟ وإلى متى ستستمر سياسة تخوين المعارضين وتحويلهم إلى أهداف للعنف والتنكيل؟
إن الدفاع عن أشرف نصر اليوم ليس دفاعًا عن شخص واحد، بل هو دفاع عن حق كل فلسطيني في أن يقول رأيه دون خوف من الاختطاف أو كسر العظام. فحرية الكلمة ليست ترفًا، بل شرط أساسي لأي مجتمع يريد أن يبقى حيًا وقادرًا على مواجهة التحديات.
سيبقى اسم أشرف نصر شاهدًا على لحظة سوداء في تاريخ القمع داخل غزة، لكنه في الوقت نفسه سيبقى رمزًا لصوتٍ حاولوا كسره… فلم ينكسر.
لأن الحقيقة البسيطة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن العظام يمكن كسرها، لكن الكرامة لا تُكسر، وأن الصوت الذي يُضرب اليوم قد يتحول غدًا إلى صرخة أكبر تهز جدران الخوف كلها.