منذ سنوات طويلة يعيش قطاع غزة تحت وطأة حصار خانق وأزمات إنسانية متلاحقة، لكن ما يفاقم هذه المأساة ليس الحصار وحده، بل السياسات المتهورة التي انتهجتها حركة حماس، والتي حولت غزة إلى ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية لا علاقة لها بمصالح الشعب الفلسطيني بقدر ما تخدم أجندات خارجية، وعلى رأسها أجندة إيران ومحورها في المنطقة.
لقد اختارت حماس، بوعي كامل، أن تربط مصير غزة بمحور إقليمي يقوده النظام الإيراني، محور لا يرى في القضية الفلسطينية سوى ورقة ضغط ومساومة في صراعاته مع خصومه. وبدلاً من أن تكون غزة قضية إنسانية ووطنية تستحق الحماية والدعم، تحولت بفعل هذه السياسات إلى ساحة للمغامرات العسكرية والشعارات الأيديولوجية التي يدفع ثمنها المدنيون العزل.
إن أخطر ما في هذه المقامرة ليس فقط إدخال غزة في مواجهات عسكرية مدمرة، بل الإصرار على تكرار نفس السياسات رغم الكلفة الإنسانية الكارثية. آلاف الضحايا من المدنيين، مدن مدمرة، بنية تحتية منهارة، ومستقبل جيل كامل مهدد بالضياع. ومع ذلك، لم يظهر في خطاب قيادة حماس أي مراجعة حقيقية أو اعتراف بالمسؤولية، بل على العكس، استمرت الحركة في المتاجرة بدماء الضحايا وتقديم المأساة وكأنها انتصار سياسي أو عسكري.
لقد أصبحت معاناة أهل غزة جزءاً من آلة الدعاية السياسية. فكلما اشتدت المأساة، ارتفعت شعارات “المقاومة” و”الصمود”، بينما يعيش الناس في الواقع تحت أنقاض بيوتهم المدمرة، بلا كهرباء ولا ماء ولا مستقبل واضح. هذه المفارقة المؤلمة تكشف حجم الفجوة بين الخطاب الأيديولوجي الذي تروج له حماس وبين الواقع الإنساني القاسي الذي يعيشه سكان القطاع.
ولا يمكن تجاهل حقيقة أن ارتباط حماس بالمحور الإيراني لم يكن مجرد علاقة دعم سياسي أو عسكري، بل أصبح جزءاً من منظومة إقليمية تستخدم الساحات العربية كساحات صراع بالوكالة. فإيران، التي ترفع شعارات دعم فلسطين، لم تتردد في إشعال حروب في عدة دول عربية عبر ميليشياتها وحلفائها، تاركة وراءها دولاً منهكة وشعوباً مشردة. وغزة لم تكن استثناءً من هذه المعادلة.
في هذا السياق، تبدو حماس وكأنها وضعت غزة في موقع “الورقة” ضمن لعبة إقليمية أكبر منها بكثير. ورقة تُستخدم عندما تحتاج طهران إلى التصعيد، وتُترك لمصيرها عندما تتغير الحسابات السياسية. أما الضحية الدائمة فهي الشعب الفلسطيني في غزة، الذي يجد نفسه محاصراً بين الاحتلال من جهة، وسوء الإدارة والمغامرات السياسية من جهة أخرى.
الأخطر من ذلك أن أي صوت فلسطيني ينتقد هذه السياسات يتعرض لحملات تخوين وتشويه، وكأن الدفاع عن حياة المدنيين أو المطالبة بسياسة أكثر عقلانية أصبح جريمة. هذه العقلية الإقصائية لا تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي وإسكات الأصوات التي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن القضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في مشروع أيديولوجي ضيق أو في تحالفات إقليمية عابرة. وهي أيضاً أكبر من أن تُدار بعقلية المغامرة أو بمنطق الشعارات. فالقضية في جوهرها قضية شعب يريد أن يعيش بكرامة وأمان، لا أن يتحول إلى وقود لصراعات الآخرين.
اليوم، وبعد كل هذا الدمار والمعاناة، يطرح كثير من الفلسطينيين سؤالاً مشروعاً: إلى متى ستظل غزة رهينة لهذه السياسات؟ وإلى متى سيُطلب من أهلها أن يدفعوا ثمن مغامرات لا يملكون قرارها؟
إن التاريخ لن يرحم من حول معاناة الناس إلى وسيلة للدعاية السياسية، ولن ينسى من وضع شعباً كاملاً على طاولة الرهانات الإقليمية. فالأوطان لا تُدار بالمغامرات، ودماء الشعوب ليست أوراقاً في لعبة النفوذ.
وغزة، التي صمدت في وجه الحروب والحصار، تستحق قيادة ترى في حياة أهلها أولوية، لا مجرد رقم في معادلات السياسة.