شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 6 مارس 2026

حماس بين صراع الأجنحة… انقسام القيادة يكشف أزمة المشروع

حماس بين صراع الأجنحة… انقسام القيادة يكشف أزمة المشروع

تشهد أروقة قيادة حركة حماس في الآونة الأخيرة تصاعداً واضحاً في حدة الخلافات الداخلية بين تيارين رئيسيين داخل الحركة؛ تيار يقوده خليل الحية، وتيار آخر يرتبط بالقيادي البارز خالد مشعل. هذه الخلافات لم تعد مجرد تباينات في الرأي داخل مؤسسة سياسية، بل تحولت إلى صراع نفوذ حقيقي يعكس عمق الأزمة التي تعيشها الحركة بعد سنوات طويلة من السياسات المتخبطة والمغامرات التي ألقت بظلالها الثقيلة على قطاع غزة وسكانه.

في الظاهر تحاول قيادة حماس التمسك بصورة “الوحدة التنظيمية”، لكن ما يجري خلف الأبواب المغلقة يروي قصة مختلفة تماماً. فالصراع بين تيار الحية وتيار مشعل يدور حول ملفات أساسية تتعلق بمستقبل الحركة، وإدارة العلاقة مع القوى الإقليمية، وطبيعة القرار السياسي والعسكري في المرحلة المقبلة.

صراع النفوذ داخل الحركة

يمثل خليل الحية أحد أبرز أقطاب القيادة الفعلية داخل غزة، وهو من الشخصيات المرتبطة بشكل وثيق بالمحور الإقليمي الداعم للحركة، خصوصاً إيران وحلفائها. ويُنظر إلى تياره على أنه يدفع باتجاه المزيد من الارتباط بهذا المحور، وتعزيز الخط العسكري والتصعيدي كخيار دائم.

في المقابل، يرتبط خالد مشعل بتيار آخر داخل الحركة يسعى إلى إعادة صياغة حضور حماس السياسي على المستوى الإقليمي والدولي، ومحاولة ترميم العلاقات مع دول عربية مختلفة. هذا التيار يرى أن سياسات الاندفاع غير المحسوبة أدت إلى عزلة الحركة وإلى كوارث إنسانية وسياسية في غزة.

هذا التباين لم يعد مجرد نقاش داخلي، بل أصبح صراعاً مكتوماً حول من يملك القرار الحقيقي داخل الحركة: هل تبقى القيادة الفعلية بيد جناح غزة الذي يمثله الحية وحلفاؤه، أم تعود مراكز الثقل إلى قيادات الخارج التي يمثلها مشعل؟

حسابات السلطة داخل التنظيم

المشكلة الأعمق أن هذا الصراع يتجاوز الاختلافات السياسية ليصل إلى صراع على النفوذ التنظيمي والشرعية القيادية. فكل تيار يحاول تعزيز نفوذه داخل المؤسسات التنظيمية للحركة، سواء عبر المجلس القيادي أو عبر شبكات الولاء داخل الأجنحة المختلفة.

ويخشى كثير من المراقبين أن يؤدي هذا الصراع إلى مزيد من الانقسام داخل الحركة، خصوصاً في ظل تباين الرؤى حول إدارة المرحلة المقبلة، سواء فيما يتعلق بملف الحرب، أو العلاقات الإقليمية، أو إدارة قطاع غزة.

فتيار الحية يرى أن التشدد والتصعيد يمثلان السبيل الوحيد للحفاظ على موقع الحركة داخل المعادلة الإقليمية، بينما يعتقد تيار مشعل أن استمرار هذا النهج سيقود إلى مزيد من العزلة والدمار، وأن الحركة بحاجة إلى مراجعة عميقة لمسارها السياسي.

أزمة قيادة أم أزمة مشروع؟

الواقع أن ما يجري داخل حماس لا يمكن اختزاله في صراع شخصيات فقط. فالأزمة تبدو أعمق بكثير، وهي أزمة مشروع سياسي كامل بات يواجه أسئلة قاسية بعد سنوات من الحكم في غزة.

فبعد كل ما شهدته المنطقة من تحولات، وبعد ما تعرض له قطاع غزة من حروب ودمار متكرر، أصبح السؤال مطروحاً بقوة داخل أوساط الحركة نفسها: إلى أين تسير حماس؟ وما هو الأفق الحقيقي لمشروعها السياسي؟

الخلاف بين الحية ومشعل يعكس في جوهره هذا السؤال الكبير. فهناك من يريد الاستمرار في نفس النهج دون مراجعة، وهناك من يرى أن الحركة وصلت إلى لحظة مفصلية تتطلب إعادة تقييم شاملة.

تداعيات الصراع على غزة

أخطر ما في هذا الصراع أنه يجري بينما يعيش قطاع غزة واحدة من أصعب مراحله التاريخية. فالناس الذين يرزحون تحت الأزمات الإنسانية والاقتصادية الخانقة لا يعنيهم كثيراً من ينتصر في صراع الأجنحة داخل الحركة، بقدر ما يعنيهم أن تنتهي حالة الفوضى السياسية التي ساهمت في تعميق معاناتهم.

لكن المؤشرات الحالية لا توحي بأن القيادة داخل حماس قادرة على تجاوز هذه الانقسامات بسهولة. بل على العكس، يبدو أن الصراع يتجه نحو مزيد من التصعيد، مع محاولات كل طرف تثبيت موقعه داخل بنية الحركة.

في النهاية، فإن الخلاف المتصاعد بين تيار خليل الحية وتيار خالد مشعل يكشف عن أزمة قيادة حقيقية داخل حركة حماس، وأزمة أعمق في رؤيتها السياسية ومستقبل مشروعها. فحين تتحول الخلافات الداخلية إلى صراع نفوذ مفتوح، يصبح السؤال ليس فقط من سيقود الحركة، بل إلى أين ستقود الحركة نفسها.

وبينما تتصارع الأجنحة داخل الغرف المغلقة، يبقى الواقع في غزة شاهداً على ثمن هذه الصراعات التي يدفعها الناس كل يوم، في انتظار لحظة مراجعة حقيقية قد تعيد ترتيب الأولويات قبل أن تتفاقم الانقسامات أكثر.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.