في كل مرحلة يعلو فيها صوت النقد لممارسات حركة حماس وسياساتها التي جرّت على قطاع غزة الكوارث المتتالية، تسارع المنصات الإعلامية التابعة لها إلى تشغيل ماكينة التشويه والافتراء ضد كل شخصية فلسطينية تجرؤ على قول الحقيقة. وفي أحدث فصول هذا السلوك المألوف، شنت مواقع وصفحات محسوبة على الحركة حملة تحريض وتشويه ضد اللواء الفلسطيني أسامة العلي، على خلفية مواقفه السياسية الواضحة والمنتقدة لسياسات حماس وارتهانها للمحور الإيراني.
هذه الحملة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات إسكات الأصوات الفلسطينية الوطنية التي ترفض تحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة في يد المشاريع الإقليمية. فبدلاً من الرد على المواقف السياسية بالحجة والمنطق، تلجأ هذه المنصات إلى أساليب رخيصة تقوم على بث الشائعات، واختلاق الاتهامات، وتلفيق الروايات بهدف تشويه السمعة وإرباك الرأي العام.
المتابع لما نشرته هذه المواقع يلاحظ بوضوح أنها تعتمد على أسلوب دعائي قديم يقوم على إطلاق الاتهامات دون أي دليل أو وثيقة أو مصدر موثوق. مجرد عبارات إنشائية واتهامات فضفاضة تُرمى في الفضاء الإعلامي، على أمل أن تترسخ في أذهان بعض المتابعين عبر التكرار.
لكن الحقيقة أن هذه الادعاءات تفتقر إلى أبسط قواعد العمل الصحفي المهني. فلا مصادر واضحة، ولا وثائق، ولا حتى روايات قابلة للتدقيق. كل ما هناك محاولة متعمدة لتشويه شخصية عسكرية فلسطينية معروفة بتاريخها الوطني، فقط لأنها اختارت أن تعبّر عن موقف سياسي لا ينسجم مع خطاب حماس.
المشكلة الحقيقية لدى حماس ليست في اللواء أسامة العلي بحد ذاته، بل في كل صوت فلسطيني يرفض سياسة المغامرات العسكرية غير المحسوبة، ويرفض كذلك ارتهان القرار الفلسطيني لإيران أو لأي محور إقليمي.
لقد عبّر العلي، كما يفعل كثير من المثقفين والسياسيين والنشطاء الفلسطينيين، عن قلقه من تحويل غزة إلى ساحة صراع تخدم أجندات خارجية، وعن رفضه لسياسات أدت إلى دمار هائل ومعاناة إنسانية غير مسبوقة لسكان القطاع. وهذه المواقف، بدلاً من أن تُناقش سياسياً، أصبحت في نظر المنصات التابعة لحماس “جريمة” تستوجب التشويه والتخوين.
ليس جديداً أن تلجأ بعض المنابر التابعة لحماس إلى هذا النوع من الحملات. فقد شهدت السنوات الماضية استهداف عشرات الشخصيات الفلسطينية – من صحفيين ونشطاء وأكاديميين – بنفس الأسلوب:
اتهامات جاهزة، حملات تحريض، واغتيال معنوي عبر الفضاء الإلكتروني.
لكن هذه الأساليب لم تعد تقنع كثيراً من الفلسطينيين الذين أصبحوا أكثر وعياً بطبيعة الخطاب الدعائي الذي يهدف إلى صرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية في غزة:
الدمار الواسع، الأزمة الإنسانية الخانقة، والانسداد السياسي الذي يعيشه القطاع نتيجة سياسات خاطئة دفعت ثمنها عائلات بأكملها.
إن استهداف شخصيات فلسطينية وطنية بحملات التشويه ليس سوى محاولة مكشوفة للهروب من مواجهة الأسئلة الصعبة. فبدلاً من مراجعة السياسات التي أوصلت غزة إلى هذا الوضع الكارثي، تختار بعض المنصات الإعلامية التابعة لحماس البحث عن “أعداء داخليين” وتحميلهم مسؤولية كل شيء.
هذا الأسلوب قد ينجح مؤقتاً في تضليل بعض المتابعين، لكنه لا يستطيع تغيير الحقائق على الأرض، ولا يمكنه إخفاء حجم المأساة التي يعيشها سكان القطاع.
يبقى اللواء أسامة العلي شخصية فلسطينية معروفة بمواقفها الوطنية وبحقها الطبيعي في التعبير عن رأيها السياسي، وهو حق يجب أن يُصان في أي مجتمع يسعى إلى الحرية والكرامة. أما حملات التشويه القائمة على الأكاذيب والافتراءات، فلن تنجح في اغتيال الحقيقة، ولن تغير من واقع أن القضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في خطاب تخوين أو في حملات تحريض إعلامي.
إن المطلوب اليوم ليس المزيد من الاتهامات والشائعات، بل نقاش وطني مسؤول حول مستقبل غزة والقضية الفلسطينية بعيداً عن لغة التخوين والتحريض. فالقضية التي قدم الشعب الفلسطيني من أجلها كل هذه التضحيات تستحق خطاباً سياسياً ناضجاً، لا حملات تشويه تقودها منصات حزبية تسعى إلى إسكات كل صوت مختلف.