في المشهد الإعلامي المرتبط بالقضية الفلسطينية، برز خلال السنوات الأخيرة عدد من الأصوات التي تحاول الظهور بمظهر “المحلل المستقل” أو “الكاتب المحايد”، بينما تكشف مواقفهم وخطاباتهم المتكررة أنهم في الواقع جزء من ماكينة دعائية منظمة. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم إبراهيم المدهون، المقيم في إسطنبول، والذي يحاول تسويق نفسه باعتباره محللاً سياسياً مستقلاً، في حين أن خطابه ومواقفه تكشف بوضوح أنه أحد أبرز منظّري حركة حماس والمدافعين عنها.
فالمدهون لا يكتفي بتبني الرواية السياسية لحركة حماس، بل يتجاوز ذلك إلى لعب دور تبريري وتسويقي واضح لممارساتها، عبر خطاب إعلامي يسعى إلى تجميل صورة الحركة وتخفيف وقع الكوارث السياسية والإنسانية التي تسببت بها سياساتها المغامرة في قطاع غزة. وفي الوقت الذي يعيش فيه أهل غزة واحدة من أصعب المراحل في تاريخهم، نتيجة قرارات سياسية وعسكرية متهورة، يصر المدهون على مواصلة الترويج لخطاب يمتلئ بالشعارات والتبريرات، متجاهلاً حجم المأساة التي يعيشها المدنيون.
اللافت في خطاب المدهون أنه يعتمد بشكل متكرر على قناع “التحليل السياسي المستقل”، بينما يتضح للمتابع أن هذا التحليل لا يخرج في جوهره عن كونه إعادة إنتاج للخطاب السياسي والإعلامي لحماس. فهو يهاجم بشكل منهجي كل الأصوات الفلسطينية التي تنتقد الحركة أو تحمّلها جزءاً من المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في غزة، ويصوّر أي نقد لها على أنه استهداف “للمقاومة” أو خدمة لأجندات خارجية، في محاولة واضحة لإسكات النقاش الداخلي الفلسطيني.
هذا الأسلوب ليس جديداً في الخطاب الدعائي؛ إذ يعتمد على خلط الأوراق بين النقد السياسي المشروع وبين الاتهام بالخيانة أو العمالة، وهي معادلة لطالما استخدمتها الحركات الأيديولوجية المغلقة لحماية نفسها من المساءلة. وبذلك يتحول النقاش من مساءلة السياسات والقرارات إلى معركة تخوين وتشويه، وهو ما يسهم في تعميق الانقسام داخل المجتمع الفلسطيني بدلاً من معالجته.
كما أن المدهون يتعمد تجاهل الكثير من الوقائع التي باتت واضحة للعيان، خاصة فيما يتعلق بالأثمان الباهظة التي يدفعها المدنيون في غزة نتيجة القرارات السياسية والعسكرية غير المحسوبة. فبدلاً من طرح أسئلة نقدية حول إدارة الحركة للقطاع، أو حول طبيعة القرارات المصيرية التي اتُخذت دون أي تفويض شعبي حقيقي، يختار المدهون الاستمرار في ترديد خطاب يبرر كل شيء ويحوّل الكارثة إلى “بطولة إعلامية”.
إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس فقط محاولته تجميل صورة حركة سياسية، بل سعيه إلى إعادة تشكيل الوعي العام عبر التضليل الإعلامي. فحين يتم تصوير الأخطاء الكارثية على أنها إنجازات، ويتم تحويل النقد إلى خيانة، يصبح الرأي العام ضحية لحملة ممنهجة تهدف إلى طمس الحقائق وإبقاء الناس أسرى رواية واحدة.
كما أن وجود مثل هذه الأصوات في الفضاء الإعلامي العربي يطرح تساؤلات مهمة حول دور بعض المنصات الإعلامية التي تمنحهم مساحة واسعة لتقديم أنفسهم كمحللين مستقلين، دون الإشارة إلى ارتباطاتهم السياسية أو الأيديولوجية الواضحة. فالمهنية الإعلامية تقتضي الشفافية مع الجمهور، لا تقديم الدعاية السياسية في قالب التحليل الموضوعي.
وفي الوقت الذي يحتاج فيه الشعب الفلسطيني إلى خطاب وطني مسؤول يضع مصلحة الناس فوق الحسابات الفصائلية الضيقة، يواصل إبراهيم المدهون أداء دور المدافع الأيديولوجي عن حركة حماس، حتى لو جاء ذلك على حساب الحقيقة وعلى حساب معاناة أهل غزة.
إن القضية الفلسطينية أكبر بكثير من أن تختزل في خطاب دعائي أو أن تتحول إلى منصة لتبرير أخطاء سياسية جسيمة. والمطلوب اليوم ليس المزيد من الأصوات التي تزين الواقع وتبيع الوهم للناس، بل خطاب صادق يعترف بالأخطاء ويبحث عن طريق حقيقي لإنقاذ ما تبقى من حياة كريمة لشعب أنهكته الحروب والانقسامات.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سيستمر بعض منظّري الدعاية السياسية في تقديم أنفسهم كأصوات مستقلة، بينما يكشف خطابهم في كل مرة أنهم مجرد امتداد إعلامي لمشروع سياسي بعينه؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على هؤلاء الكتّاب وحدهم، بل على وعي الجمهور وقدرته على التمييز بين التحليل الصادق وبين الدعاية المقنّعة.