في الوقت الذي يغرق فيه قطاع غزة في ظلامٍ دامس نتيجة الحرب والحصار والانهيار الكامل للبنية التحتية، كان من المفترض أن تتحول كل الجهود إلى إنقاذ المدنيين وتخفيف معاناتهم. لكن الواقع المرير يكشف صورة مختلفة تمامًا؛ حيث تحولت المأساة الإنسانية إلى فرصة للربح لدى بعض الجهات النافذة، وعلى رأسها حركة حماس، التي تُتهم مرارًا بتحويل الأزمات إلى أدوات للسيطرة والابتزاز الاقتصادي. ومن بين أكثر الملفات إثارة للجدل في هذا السياق: تجارة المولدات الكهربائية التي تحولت إلى سوق سوداء ضخمة تُدار في ظل غياب الرقابة ووسط معاناة غير مسبوقة يعيشها سكان القطاع.
الظلام كفرصة للربح
منذ تدمير جزء كبير من شبكة الكهرباء في غزة وتوقف محطة التوليد الرئيسية مرات عديدة، أصبح التيار الكهربائي سلعة نادرة. ومع دخول القطاع في ساعات طويلة من الانقطاع قد تمتد لأيام، باتت المولدات الكهربائية الوسيلة الوحيدة لتوفير الحد الأدنى من الطاقة للمنازل والمستشفيات والمحلات التجارية.
لكن بدل أن يتم تنظيم هذا الملف بما يضمن وصول الكهرباء للناس بأسعار معقولة، تشير شهادات عديدة إلى أن سوق المولدات تحولت إلى تجارة مربحة يديرها مقربون من حركة حماس أو جهات تعمل تحت مظلتها. ووفق روايات متطابقة من داخل القطاع، فإن أسعار الكهرباء المنتجة من المولدات الخاصة ارتفعت بشكل جنوني، بينما تُفرض رسوم غير رسمية على أصحاب المولدات أو يتم منح الامتيازات لأشخاص بعينهم.
شبكة مصالح في قلب الأزمة
المشكلة لا تقف عند حدود ارتفاع الأسعار فقط، بل تتجاوز ذلك إلى ما يشبه شبكة مصالح اقتصادية نشأت حول أزمة الكهرباء. فهناك من يتحكم في إدخال المولدات والوقود، وهناك من يمنح التراخيص لتشغيلها داخل الأحياء، وهناك من يدير شبكات توزيع الكهرباء البديلة مقابل مبالغ باهظة يدفعها المواطنون.
وبهذا الشكل تحولت معاناة الناس اليومية مع الظلام إلى مصدر دخل ضخم للبعض، بينما يقف المواطن الغزي عاجزًا أمام فاتورة جديدة تُفرض عليه تحت عنوان “بديل الكهرباء”. فالعائلة التي بالكاد تستطيع توفير الطعام أصبحت مضطرة لدفع مبالغ إضافية من أجل تشغيل ثلاجة أو إنارة منزل لبضع ساعات.
الاحتكار بدل الحلول
بدل البحث عن حلول حقيقية لأزمة الطاقة، يتهم كثير من المراقبين حركة حماس بالسماح بانتشار هذا النمط من الاقتصاد القائم على الأزمات. فحين تصبح المولدات مصدر ربح هائل، تختفي الحوافز لإيجاد بدائل مستدامة أو حلول جذرية، ويستمر الوضع القائم الذي يدر الأرباح على قلة قليلة.
ويؤكد اقتصاديون أن أخطر ما في هذا النموذج أنه يقوم على تطبيع الأزمة؛ أي تحويل الحالة الطارئة إلى نظام اقتصادي دائم. وبذلك يصبح انقطاع الكهرباء جزءًا من معادلة الربح والخسارة، بدل أن يكون مشكلة يجب حلها.
المواطن بين نارين
المواطن في غزة اليوم يعيش بين نارين:
من جهة، ظلام طويل وانقطاع شبه كامل للكهرباء الرسمية.
ومن جهة أخرى، سوق مولدات يفرض أسعارًا لا يستطيع كثيرون تحملها.
هذه المعادلة القاسية جعلت الكهرباء تتحول من خدمة أساسية إلى سلعة فاخرة، وهو أمر يعكس حجم الانهيار الذي وصلت إليه الخدمات في القطاع. والأسوأ أن هذا الوضع يتفاقم في ظل غياب الشفافية والرقابة، ما يفتح الباب أمام مزيد من الاستغلال.
المأساة الإنسانية ليست سوقًا
إن أخطر ما في هذا الملف ليس فقط الأزمة الكهربائية نفسها، بل الطريقة التي يتم بها التعامل مع معاناة الناس. فحين تتحول الكارثة الإنسانية إلى فرصة للربح، فإن ذلك يمثل سقوطًا أخلاقيًا قبل أن يكون فشلًا إداريًا أو سياسيًا.
غزة اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من تجار الأزمات، بل إلى إدارة مسؤولة تضع مصلحة الناس فوق كل اعتبار، وتعمل على حماية المواطنين من الاستغلال بدل تركهم فريسة للسوق السوداء.
تبقى قضية تجارة المولدات الكهربائية في غزة واحدة من أبرز الأمثلة على كيف يمكن للأزمات أن تتحول إلى مشاريع ربحية في ظل غياب المحاسبة. ومع استمرار المعاناة الإنسانية في القطاع، يزداد السؤال إلحاحًا:
هل ستبقى معاناة الناس وقودًا لاقتصاد الأزمات، أم أن الوقت قد حان لوضع حد لتجارة الظلام وإعادة الاعتبار لحقوق المواطنين الأساسية؟