شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 17 مارس 2026

غزة بين شبح المجاعة وحقيقة الجباية: كيف توظّف حماس المعاناة للتغطية على اقتصاد الأزمات؟

غزة بين شبح المجاعة وحقيقة الجباية: كيف توظّف حماس المعاناة للتغطية على اقتصاد الأزمات؟

في كل مرة ترتفع فيها صرخات الجوع في قطاع غزة، تسارع حركة حماس إلى ترويج خطاب واحد يتكرر بلا توقف: “المجاعة قادمة”، “القطاع يموت جوعاً”، “العالم يتفرج”. غير أن هذا الخطاب، على قسوته ووقعه العاطفي، يخفي وراءه واقعاً أكثر تعقيداً ومرارة؛ واقع تتحمل فيه الحركة نفسها جزءاً كبيراً من المسؤولية عن تفاقم الأزمة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني إنسان في القطاع.

فبينما يتم تصوير الأزمة على أنها نتيجة حصار خارجي فقط، تتكشف يوماً بعد يوم ممارسات داخلية تقوم بها حماس، تتراوح بين فرض الضرائب الباهظة، وابتزاز التجار، وفرض الأتاوات، وصولاً إلى التحكم بالمساعدات الإنسانية وتوجيهها عبر شبكات محسوبة على الحركة. هذه الممارسات خلقت اقتصاداً موازياً قائماً على استثمار المعاناة، بحيث تصبح الأزمة نفسها مصدراً للربح والنفوذ.

اقتصاد الأزمات

منذ سنوات، تطورت في غزة منظومة اقتصادية غير رسمية تديرها شبكات مرتبطة بحماس. في هذه المنظومة، لا تمر سلعة أو مساعدة أو شاحنة إغاثة دون أن تدفع “رسوماً” أو “عمولات”. التاجر الذي يريد إدخال بضاعته إلى السوق، عليه أن يدفع. والشاحنة التي تحمل مساعدات إنسانية، تمر عبر حلقات من “التنسيق” والجباية. وحتى بعض المشاريع الإغاثية لا ترى النور إلا بعد أن تمر عبر بوابة المصالح والنفوذ.

نتيجة لذلك، ترتفع الأسعار بشكل جنوني في الأسواق، ليس فقط بسبب الحصار أو شح الموارد، بل أيضاً بسبب طبقات من الجباية غير الرسمية التي تُفرض على كل شيء تقريباً. وهكذا يتحمل المواطن الغزي البسيط الكلفة مرتين: مرة بسبب الحرب والحصار، ومرة بسبب اقتصاد الجباية الداخلي.

المساعدات بين الحاجة والاستغلال

في الظروف الطبيعية، يفترض أن تشكل المساعدات الإنسانية طوق نجاة للسكان. لكن في غزة، تحولت هذه المساعدات في كثير من الأحيان إلى ساحة جديدة للصراع على النفوذ. تقارير وشهادات عديدة تحدثت عن عمليات إعادة توزيع للمساعدات عبر شبكات مرتبطة بالحركة، بحيث يحصل المقربون على الحصة الأكبر، بينما يظل آلاف المحتاجين في طوابير الانتظار.

كما أن جزءاً من هذه المساعدات يجد طريقه إلى الأسواق السوداء، حيث يُباع بأسعار مرتفعة، في مفارقة قاسية: مواد إغاثية يفترض أن تُمنح مجاناً للفقراء، تتحول إلى سلعة مربحة داخل سوق يعاني أصلاً من الاختناق.

خطاب المجاعة كأداة سياسية

في هذا السياق، يصبح الحديث المتكرر عن “المجاعة” أداة سياسية وإعلامية بامتياز. فبدلاً من فتح نقاش جدي حول أسباب الأزمة الداخلية، يجري تضخيم الخطاب حول الكارثة الإنسانية بطريقة تُبقي الأنظار موجهة نحو الخارج فقط.

لا شك أن الحصار والعمليات العسكرية والسياسات الإسرائيلية تلعب دوراً أساسياً في تدمير الاقتصاد الغزي، لكن تجاهل دور الإدارة الداخلية للحركة في تعميق الأزمة يمثل إنكاراً لجزء كبير من الحقيقة. فالمجاعة لا تنشأ فقط من نقص الموارد، بل أيضاً من سوء إدارتها، ومن وجود منظومة تستفيد من استمرار الأزمة.

المواطن الضحية الأولى

في نهاية المطاف، يبقى المواطن الغزي هو الضحية الأولى لهذا الواقع المركب. فهو عالق بين نارين: حصار خارجي يضيق عليه الحياة، وسلطة داخلية تحوّل الأزمات إلى أدوات للسيطرة والجباية.

هذا المواطن لا يحتاج إلى خطابات سياسية أو حملات دعائية، بل إلى إدارة مسؤولة للموارد، وإلى شفافية في توزيع المساعدات، وإلى اقتصاد لا يقوم على الابتزاز والضرائب غير الرسمية. فكرامة الناس لا يمكن أن تُختزل في طوابير المساعدات، ولا أن تُستخدم وقوداً لمعركة إعلامية.

الحقيقة المؤجلة

إن مواجهة شبح المجاعة في غزة لا يمكن أن تتم عبر الشعارات، بل عبر معالجة جذور الأزمة. وهذا يتطلب قبل كل شيء الاعتراف بأن المشكلة ليست خارجية فقط، بل داخلية أيضاً.

فطالما استمرت منظومة اقتصاد الأزمات، وطالما بقيت المساعدات والسلع رهينة الجباية والعمولات، سيبقى شبح المجاعة حاضراً — ليس فقط بسبب الحصار، بل أيضاً بسبب السياسات التي جعلت من معاناة الناس وسيلة للبقاء في السلطة.

وغزة، التي أنهكتها الحروب والمغامرات السياسية، تستحق مستقبلاً مختلفاً؛ مستقبلاً لا تكون فيه لقمة الخبز رهينة للتجار المتنفذين، ولا ورقة في لعبة الدعاية، بل حقاً أساسياً لكل إنسان يعيش على هذه الأرض المحاصرة.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.