في قطاع غزة، حيث تتكدس الأزمات الإنسانية والاقتصادية فوق كاهل أكثر من مليوني إنسان، لم يعد المشهد يقتصر على الحصار الخارجي والعدوان المتكرر، بل امتد ليشمل واقعًا داخليًا معقدًا يثير الكثير من التساؤلات والقلق. فمع تصاعد الأصوات المنتقدة لسياسات حركة حماس، تتزايد الاتهامات بشأن ممارسات تضييق وقمع تستهدف كل من يخرج عن الخط الرسمي أو يعبر عن رأي مخالف.
تتحدث تقارير وشهادات محلية عن بيئة مشحونة بالخوف، حيث يجد المواطن نفسه محاصرًا ليس فقط بالظروف المعيشية الصعبة، بل أيضًا بهاجس الملاحقة في حال عبّر عن رفضه أو انتقاده. وسائل التواصل الاجتماعي، التي كانت متنفسًا للناس، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مراقبة، يخشى فيها المواطن من أن تتحول كلماته إلى سبب لاستدعائه أو مساءلته.
قمع الحريات… بين التبرير والواقع
تبرر عصابات حماس في غزة هذه الإجراءات بذرائع تتعلق بـ”الأمن الداخلي” و”حماية الجبهة الداخلية”، خاصة في ظل الصراع المستمر مع إسرائيل. غير أن هذا التبرير لا يقنع كثيرين، ممن يرون أن هذه السياسات تتجاوز حدود الضرورة الأمنية لتصل إلى تكميم الأفواه وإسكات أي صوت معارض.
الاعتقالات على خلفية الرأي، بحسب ما يرد في شهادات متكررة، لم تعد حالات فردية، بل أصبحت نمطًا متكررًا يثير القلق. كما أن الحديث عن سوء معاملة بعض المعتقلين أو تعرضهم لضغوط نفسية وجسدية يزيد من حدة الانتقادات، ويطرح تساؤلات حول مدى احترام الحقوق الأساسية في القطاع.
الاقتصاد كأداة ضغط
لا تقف المسألة عند حدود الحريات السياسية، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي. إذ يشتكي كثير من التجار وأصحاب الأعمال من ضغوط مالية ورسوم وضرائب تُفرض في ظل غياب الشفافية، ما يفاقم معاناة السكان الذين يعانون أصلًا من معدلات بطالة وفقر مرتفعة. ويرى منتقدون أن هذه السياسات تساهم في إحكام السيطرة على المجتمع، عبر التحكم في مصادر رزقه.
مقامرة بمصير شعب
أخطر ما يطرحه المنتقدون هو اتهام الحركة بالمقامرة بمصير سكان غزة من خلال قرارات وتصعيدات عسكرية لا يأخذ فيها رأي الشارع، بينما يكون المواطن البسيط هو من يدفع الثمن الأكبر من دمه وبيته ومستقبله. فكل جولة تصعيد تعني مزيدًا من الدمار، ومزيدًا من التراجع في فرص الحياة الكريمة.
هذا الواقع يخلق حالة من الإحباط العميق، حيث يشعر كثير من السكان بأنهم عالقون بين خيارات قاسية: صمتٌ مفروض، أو اعتراضٌ محفوف بالمخاطر.
بين الواقع والانقسام
لا يمكن فصل هذه الأوضاع عن حالة الانقسام الفلسطيني المستمرة منذ سنوات، والتي ساهمت في تعقيد المشهد وإضعاف المؤسسات، وغياب الرقابة والمساءلة. ففي ظل غياب نظام سياسي موحد، تصبح السلطة في غزة شبه مطلقة، ما يفتح الباب أمام تجاوزات يصعب محاسبتها.
الحاجة إلى مراجعة شاملة
إن ما يمر به قطاع غزة يتطلب وقفة جادة ومسؤولة من جميع الأطراف. فالحفاظ على كرامة الإنسان وحقوقه يجب أن يكون أولوية لا تقل أهمية عن أي اعتبار سياسي أو أمني. كما أن فتح المجال أمام حرية التعبير والنقد البنّاء قد يكون خطوة ضرورية لتصحيح المسار، بدلًا من الاستمرار في سياسات قد تؤدي إلى مزيد من الاحتقان والانفجار الداخلي.
غزة اليوم بحاجة إلى مساحة أمل، لا إلى مزيد من الخوف. بحاجة إلى صوت المواطن، لا إلى إسكاتِه.