في غزة، لم تعد المجاعة مجرد خطر يلوح في الأفق، بل واقع يُصنع يوميًا تحت وطأة الحرب، والحصار، ومنظومة معقدة من السيطرة على السوق. الحديث هنا ليس فقط عن نقص في الغذاء، بل عن كيفية إدارة هذا النقص، ومن يملك مفاتيح توزيعه، ومن يدفع الثمن.
عندما تُدمَّر البنية الاقتصادية بالكامل، وتُغلق المعابر أو تُقيد، وتنهار الزراعة والإنتاج، فإن السوق لا يعود “سوقًا” بالمعنى التقليدي. بل يتحول إلى مساحة نفوذ، حيث تصبح السلع القليلة المتاحة أدوات قوة.
في هذا الواقع، حركة حماس الجهة التي تسيطر على الأرض، والأمن، ومسارات التوزيع، تمتلك نفوذًا مباشرًا أو غير مباشر على الغذاء. وهذا لا يعني بالضرورة وجود خطة معلنة أو سياسة مكتوبة، لكنه واقع تفرضه السيطرة الميدانية.
في الظروف الطبيعية، العرض والطلب يحددان الأسعار. أما في غزة اليوم، فالندرة هي الحاكم الفعلي.
وهنا يظهر سؤال جوهري:
من يقرر أين تذهب هذه السلع؟ ومن يحصل عليها أولًا؟
في بيئة يغيب فيها التنظيم الاقتصادي المستقل، وتضعف فيها الرقابة، تتحول شبكات التوزيع إلى مراكز قوة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية.
المشهد في الأسواق ليس خطًا واحدًا. هناك تناقض واضح:
هذا التناقض يعكس حقيقة مهمة:
السيطرة موجودة، لكنها ليست مطلقة، والفوضى موجودة، لكنها ليست عشوائية بالكامل.
المساعدات الإنسانية أصبحت شريان الحياة الوحيد لمئات الآلاف. لكن في ظل بيئة معقدة:
وفي مثل هذه الظروف، تتحول المساعدات من عمل إنساني خالص إلى عنصر داخل معادلة الصراع على الموارد.
عندما تُدمَّر الأراضي الزراعية، وتتوقف المصانع، ويُمنع الصيد أو يُقيد، فإن المجتمع يفقد قدرته على إنتاج غذائه.
وهذا يعني ببساطة:
أي جهة تتحكم في دخول الغذاء أو توزيعه، تتحكم في الحياة اليومية للناس.
الواقع في غزة لا يمكن اختزاله في طرف واحد. لكنه أيضًا لا يمكن تجميله.
وفي قلب كل ذلك، تصبح لقمة العيش أداة نفوذ، سواء بقصد أو بحكم الواقع.
ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة عابرة، بل نموذج قاسٍ لما يحدث عندما:
في هذه البيئة، لا يعود السؤال: من المسؤول وحده؟
بل يصبح: من يملك القدرة على التغيير… ولماذا لا يحدث؟