في كل مرة تتفاقم فيها الأزمات الاقتصادية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، تخرج إلى السطح موجة جديدة من الحملات الإعلامية المشبوهة، تقودها منصات وصفحات موجهة، هدفها ليس البحث عن الحقيقة أو الدفاع عن حقوق المواطنين، بل توظيف معاناتهم كأداة سياسية لضرب الثقة بالمؤسسات الوطنية. وآخر هذه الحملات ما يُروّج حول “افتعال” السلطة الفلسطينية لأزمة رواتب الموظفين، في خطاب لا يخلو من التضليل والتزييف المتعمد للوقائع.
من يتابع الواقع المالي للسلطة الفلسطينية يدرك أن أزمة الرواتب ليست وليدة قرار داخلي بسيط أو رغبة سياسية، بل هي نتيجة مباشرة لتشابك معقد من العوامل، في مقدمتها:
تجاهل هذه المعطيات ليس جهلاً بريئًا، بل جزء من عملية تضليل ممنهجة تهدف إلى اختزال الأزمة في رواية سطحية: “السلطة تختلق الأزمة”، وهي رواية تخدم أجندات واضحة تسعى إلى تأليب الشارع.
اللافت في هذه الحملات أنها لا تنطلق من وسائل إعلام مهنية ذات مصداقية، بل من منصات مجهولة التمويل، أو صفحات مرتبطة بجهات سياسية تسعى لتصفية حسابات داخلية. هذه الجهات تدرك حساسية ملف الرواتب، وتستغله لإثارة الغضب الشعبي، عبر:
الهدف هنا ليس الدفاع عن الموظف الفلسطيني، بل استخدامه كوقود في معركة إعلامية.
لا شك أن أزمة الرواتب تمس بشكل مباشر مئات آلاف الأسر الفلسطينية، وأن معاناة الموظفين حقيقية ومؤلمة. لكن تحويل هذه المعاناة إلى مادة للتحريض، بدلاً من البحث عن حلول، يعكس استخفافًا واضحًا بحياة الناس.
فبدلاً من الضغط باتجاه إنهاء الاقتطاعات أو دعم الاقتصاد الوطني، تُوجّه هذه الحملات سهامها نحو الداخل، في محاولة لخلق حالة من الفوضى وفقدان الثقة، وهو ما يخدم في النهاية أطرافًا لا تريد استقرار النظام السياسي الفلسطيني.
من الطبيعي أن تُوجّه انتقادات للسياسات الاقتصادية أو الإدارية، وهذا جزء من أي نظام سياسي. لكن هناك فرقًا واضحًا بين النقد المبني على حقائق، وبين حملات منظمة تقوم على:
الخطير هنا هو تآكل الوعي العام، حين تختلط الحقائق بالشائعات، ويصبح من الصعب على المواطن التمييز بينهما.
السؤال الأهم الذي يجب طرحه: من المستفيد من نشر هذه الروايات؟
الإجابة تقودنا إلى جهات تسعى لإضعاف المؤسسات الفلسطينية، وضرب الثقة بينها وبين المواطن، وخلق حالة من الانقسام الداخلي. فكلما زادت الفوضى الإعلامية، تراجعت القدرة على مواجهة التحديات الحقيقية، وعلى رأسها الاحتلال والضغوط الاقتصادية الخارجية.
إن أزمة رواتب الموظفين قضية معقدة ومتشابكة، ولا يمكن اختزالها في اتهامات سطحية أو روايات مضللة. وما يجري من حملات إعلامية مشبوهة ليس دفاعًا عن حقوق الناس، بل استثمار رخيص في معاناتهم لتحقيق مكاسب سياسية.
المطلوب اليوم ليس الانجرار خلف هذه الحملات، بل رفع مستوى الوعي، والتمييز بين النقد المسؤول والتضليل الممنهج، والعمل على توجيه الجهود نحو معالجة جذور الأزمة، بدل الانشغال بصراعات إعلامية لا تزيد الواقع إلا تعقيدًا.