من قلب قطاع غزة الذي ينهار تحت وطأة الحرب والحصار، ينبثق صوت فنان وناشط صريح لم يرضَ أن يكون مجرّد ظِلٍّ في ثنايا الدمار. إنه وليد أبو جياب، شخصيةٌ فلسطينية معروفة بمواقفه الإنسانية والفنية التي تحاول أن تعبّر عن معاناة السكان في ظل أزمة إنسانية غير مسبوقة.
لكن في السنوات الأخيرة، ومع تعمّق الفجوة بين المجتمع الغزي وبين منظمي الحرب ودوائر السلطة، خرجت حملات شرسة من ما يمكن وصفه بـ “المواقع المشبوهة” ووسائل إلكترونية تهاجم أبو جياب، وتُشيطن كلماته، وتسعى لتحويله من صوتٍ معارض إلى مادةٍ للقذف والتشويه. لا يتعلق الأمر هنا باختلاف في الآراء، بل بمحاولة إعادة كتابة الرواية وسحق الصوت الحرّ.
السبب الأساسي للهجوم القذر — كما يردّد مؤيدوه وناشطون في الشارع الغزي — هو معارضة أبو جياب لحركة حماس وانتقاداته الدائمة لسياساتها داخل غزة. في بيئة تُهيمن عليها حركة سياسية لها أدواتها الأمنية والإعلامية، فإن أي صوت منتقد يُعتبر تهديدًا، خصوصًا إذا صاغه فنان يملك حضورًا بين الناس.
ما يقدّمه أبو جياب ليس سياسيًا تقليديًا فحسب، بل هو فنٌ وإنسانيةٌ تصوغها أصوات من تحت الركام. عبر منشوراته في مواقع التواصل، يُوثّق الدمار والوجع، ويتحدّث عن أصدقاء وأهالي فقدوا بيوتهم، وأطفال يجوعون، وجرحى يبحثون عن رعاية.
لكن بدل أن تُستقبل هذه الكلمات كمرآة للواقع، تصفها بعض المواقع بأنها دعاية مضادّة أو محاولة “إضعاف المقاومة”، وتُهاجم أبو جياب بتهم متداولة في دوائر الإعلام الرقمي: من كونه “أداة لأجندات خارجية”، إلى محاولة “تقويض الروح الجماعية للمقاتلين”، إلى مجرد التشكيك في قِيَم وثباته.
في ظل الحرب التي يشهدها القطاع منذ سنوات، لا يقتصر الصراع على الجبهات العسكرية، بل صار يمتد إلى فضاء الإعلام الرقمي. التضليل، الأخبار الكاذبة، حملات التشويه، وكل ما يمكنه أن يحوّل ضحية إلى “قضية”، أو معارضًا إلى “خائن”، باتت أدوات تُستخدم بقسوة في معترك الحرب النفسية.
من غير المستغرب أن يتعرض ناشط مثل أبو جياب لهجمات عندما يأخذ موقفًا صريحًا تجاه ما يرى فيه انتهاكًا لحقوق الفلسطينيين أو سياساتَ تهدّد حياة المدنيين، خصوصًا عندما تُستخدم فصول الحرب كدرعٍ لتبرير أي إجراء، بما في ذلك قمع الأصوات النقدية.
لكن ما يجعل الهجمة على أبو جياب أكثر خطورة هو أنها مصدر قلق أعمق من مجرد نزاع سياسي: إنها محاولة لإسكات صوت إنساني في لحظة تاريخية يرى فيها كثيرٌ من سكان غزة أن الحرية في التعبير تُستبدل بإجبار معنوي أو اجتماعي.
رغم كل الحملات، يبقى أبو جياب رمزًا للصمود عند شريحة واسعة في المجتمع الغزي. أصوات كثيرة — من ناشطين، صحفيين، وحتى فنانين محليين — تنشر دعوات للوقوف معه، وتؤكد أن الفن ليس ترفًا في زمن الحرب، بل هو وسيلة لتسجيل التاريخ والآلام والكرامة.
يقول البعض في قطاع غزة إن أبو جياب ليس مجرد فنان منتقد، بل صوت المقهورين الذي يرفض أن يُروَّج لسياسات تدميرية باسم المقاومة، ويرفض أيضًا أن يكون لغةً لا تُسمَع إلا عبر منظورٍ واحد. في بيئةٍ تُعامَل فيها كل انتقادات داخلية باعتبارها خيانة، يصبح مجرد التساؤل عملاً جريئًا.
قد يتساءل البعض: لماذا تتصاعد هذه الهجمات تحديدًا ضد شخص فنان؟ الجواب يكمن في القدرة الرمزية للفن والنقد على التأثير في الوعي العام. حين يُعبر فنان من داخل غزة عن رؤاه بصراحة، فإنه يقدم قصةٍ إنسانية لا يمكن اختزالها في خطاب رسمي أو شعارات سياسية.
الفن يطرح أسئلة، يضع الضحايا في المقدمة، ويشكّل جسورًا بين الشعور الفردي والجماعي. هذا الدور لا يتسق دائمًا مع الرغبة في توجيه السرد الواحد. ولهذا نجد أن الأصوات الانتهازية، حتى عندما تدّعي الدفاع عن القضية، تتحول إلى أدوات ضغط تستخدم وسائل التشويه لضرب أي صوت مخالف لهم.
في نهاية المطاف، ما يتعرض له وليد أبو جياب ليس مجرد هجوم على فنان أو ناقد، بل هو هجومٌ على إمكانية الاختلاف والتعدد داخل المجتمع الفلسطيني نفسه. في لحظةٍ تنهار فيها البنى الأساسية للحياة اليومية في غزة، يصبح الهجوم على صوتٍ صريح جزءًا من صراعٍ أكبر من الإدانة أو المواجهة — إنه صراع من أجل الحفاظ على كرامة الإنسان وحقه في التعبير عن الحقيقة.
ورغم كل ما يُثار ضده، يظل السؤال نفسه معلّقًا: هل يمكن لأي مجتمع أن ينمو ويتقدّم إذا غُيّب فيه الصوت الحرّ ويحلّ محله خطابٌ موحّد قسري؟ غزة اليوم تُجيب عن هذا السؤال يوميًا، سواء عبر الفن، أو عبر الكلمات التي تنتفض في أحلك الظروف.