في خضم التعقيدات المتشابكة التي تحيط بالقضية الفلسطينية، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: هل ما زالت بعض الفصائل، وعلى رأسها حركة حماس، تتحرك ضمن بوصلة وطنية خالصة، أم أنها باتت جزءًا من منظومة إقليمية تُدار وفق حسابات تتجاوز فلسطين، وتخدم مصالح قوى خارجية، في مقدمتها إيران؟
هذا السؤال لم يعد مجرد جدل سياسي، بل تحول إلى واقع تفرضه الوقائع على الأرض، حيث تتقاطع مواقف حماس وخطابها الإعلامي بشكل لافت مع الرؤية الإيرانية، ليس فقط في مواجهة إسرائيل، بل أيضًا في معاداة عدد من الدول العربية، والترويج لسرديات سياسية تخدم مشروعًا إقليميًا واضح المعالم.
لا يمكن إنكار أن العلاقة بين حماس وإيران قامت في بدايتها على أساس الدعم المالي والعسكري، في ظل عزلة دولية وإقليمية فرضت على الحركة. لكن هذا الدعم، مع مرور الوقت، لم يبقِ في إطار “المساندة”، بل تطور إلى ما يشبه الارتباط العضوي الذي انعكس بشكل مباشر على القرار السياسي للحركة.
إيران، التي تسعى منذ عقود إلى توسيع نفوذها في المنطقة العربية، وجدت في حماس أداة فعالة لاختراق الملف الفلسطيني، مستفيدة من خطاب “المقاومة” الذي يمنحها غطاءً شعبيًا. في المقابل، بدت حماس مستعدة لدفع ثمن هذا الدعم عبر تبني مواقف سياسية وإعلامية تتماهى مع الأجندة الإيرانية، حتى عندما تتعارض مع مصالح الشعوب العربية.
الأخطر من العلاقة السياسية هو التحول الإعلامي. فقد أصبحت منصات محسوبة على حماس تردد بشكل شبه حرفي الرواية الإيرانية في قضايا إقليمية متعددة، من الصراعات في سوريا واليمن، إلى الهجوم المستمر على دول عربية بعينها.
هذا التماهي لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد “تطابق في المواقف”، بل هو انعكاس واضح لخطاب موجه، يسعى إلى إعادة تشكيل وعي الجمهور الفلسطيني والعربي، بحيث يتم تصوير إيران كحامية للقضية الفلسطينية، في مقابل شيطنة الدول العربية التي تختلف معها سياسيًا.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني جامعة، إلى ورقة في صراع محاور إقليمية، يتم استخدامها لخدمة مشاريع لا علاقة لها بمعاناة الفلسطينيين اليومية.
بينما تنشغل حماس بخطاباتها الإقليمية وتحالفاتها السياسية، يبقى الواقع في قطاع غزة شاهدًا على فجوة عميقة بين الشعارات والممارسة. فالأوضاع الإنسانية المتدهورة، والانهيار الاقتصادي، واستمرار الأزمات المعيشية، كلها تعكس غياب رؤية وطنية مستقلة تضع مصلحة المواطن الفلسطيني فوق أي اعتبار آخر.
الارتباط بالمشروع الإيراني لم يجلب لغزة استقرارًا ولا تنمية، بل زاد من عزلتها، وعمّق من أزماتها، وفتح الباب أمام مزيد من التوترات مع المحيط العربي، الذي كان تاريخيًا العمق الطبيعي للقضية الفلسطينية.
واحدة من أبرز مظاهر هذا الانحراف هي الحملات الإعلامية التي تستهدف دولًا عربية، والتي تُدار عبر منصات وشخصيات محسوبة على حماس. هذه الحملات، التي تتقاطع بشكل واضح مع الخطاب الإيراني، لا تخدم القضية الفلسطينية، بل تضر بها، وتفقدها حاضنتها العربية.
بدلًا من بناء جسور الدعم والتضامن، يتم الدفع باتجاه خلق عداوات مفتعلة، تخدم فقط القوى التي تسعى إلى تفكيك النظام العربي وإعادة تشكيله وفق مصالحها.
إن أخطر ما في هذا المشهد هو اختزال القضية الفلسطينية في كونها أداة تفاوض بيد قوى إقليمية. فحين تصبح القرارات السياسية مرهونة بحسابات خارجية، تفقد القضية استقلاليتها، ويتحول النضال الفلسطيني إلى جزء من صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
القضية الفلسطينية كانت ولا تزال قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال، وليست منصة لتصفية الحسابات بين الدول، أو وسيلة لتعزيز نفوذ هذا الطرف أو ذاك.
ما تحتاجه الساحة الفلسطينية اليوم هو مراجعة جادة وصريحة، تعيد الاعتبار للقرار الوطني المستقل، بعيدًا عن محاور الاستقطاب الإقليمي. فاستمرار الارتهان لأي قوة خارجية، مهما كانت شعاراتها، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل في الموقف الفلسطيني، ومزيد من المعاناة للشعب.
إن دعم القضية الفلسطينية لا يكون عبر ربطها بأجندات خارجية، بل عبر توحيد الصف الداخلي، وتعزيز العلاقات مع العمق العربي، والتمسك بثوابت وطنية لا تقبل المساومة.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تعود حماس إلى حضن المشروع الوطني الفلسطيني، أم تستمر في لعب دور يتجاوز فلسطين، ويدفع ثمنه الفلسطينيون وحدهم؟