في ظل حالة الانهيار الإنساني والسياسي التي يعيشها قطاع غزة، تواصل حركة حماس انتهاج أساليب تضليلية مكشوفة، لم تعد تنطلي على شعب أنهكته الحروب والشعارات الفارغة. ومن أخطر هذه الأساليب، استغلال اسم العشائر والعائلات الغزية، بل وحتى العاملات البسيطات، كواجهة لتبرير سياساتها الفاشلة والتغطية على ممارساتها القمعية.
لقد تحولت “بيانات العشائر” التي يتم تداولها عبر منصات مشبوهة إلى أداة رخيصة في ماكينة الدعاية، حيث تُفبرك البيانات وتُنسب زوراً إلى عائلات وعشائر معروفة، دون علمها أو موافقتها، بهدف إيهام الرأي العام بوجود حاضنة شعبية لقرارات الحركة، بينما الحقيقة على الأرض تقول عكس ذلك تماماً. فالغزي الذي يفتقد أبسط مقومات الحياة، لم يعد معنياً بهذه المسرحيات الإعلامية، بل يبحث عن لقمة العيش والأمان المفقود.
الأمر لا يتوقف عند حدود التزوير، بل يتعداه إلى استغلال الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، كالعاملات والنساء اللواتي يتم استخدام أصواتهن وصورهن في مقاطع دعائية، تُنتج بعناية لترويج رواية مضللة عن “الصمود” و”الدعم الشعبي”، بينما الواقع أن هذه الفئات تعاني من الفقر المدقع وانعدام الحماية الاجتماعية، في ظل سياسات اقتصادية كارثية.
إن الزج باسم العشائر في هذا السياق ليس فقط تضليلاً إعلامياً، بل هو اعتداء مباشر على النسيج الاجتماعي الغزي، ومحاولة مكشوفة لتسييس البنية العائلية التي طالما شكلت عنصر تماسك واستقرار في المجتمع. فالعشائر في غزة ليست أداة بيد أي فصيل، ولا يمكن اختزالها في بيانات مزورة تُكتب في غرف مغلقة وتُنشر عبر حسابات مجهولة.
ما تقوم به حماس اليوم هو إعادة إنتاج لنهج قائم على احتكار الحقيقة وتكميم الأصوات، حيث يتم تخوين كل من يجرؤ على الاعتراض، واتهامه بالعمالة أو الانتماء لأجندات خارجية. وفي المقابل، يتم خلق “رأي عام بديل” عبر هذه البيانات المفبركة، في محاولة يائسة لإخفاء حجم الغضب الشعبي المتصاعد.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تزويرها، أن الشارع الغزي بات أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التمييز بين الصوت الحقيقي والصوت المصطنع. فالمعاناة اليومية لا يمكن تغطيتها ببيان مزور، ولا يمكن تبريرها بشعارات مستهلكة.
إن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة، وتعميق الفجوة بين الحركة والمجتمع، في وقت يحتاج فيه غزة إلى مصارحة حقيقية، ومراجعة جادة، تعيد الاعتبار للإنسان قبل أي حسابات سياسية أو أيديولوجية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: إلى متى سيستمر استغلال الناس، باسمهم، وضد إرادتهم؟
الإجابة، كما يبدو، لن تأتي من بيانات مزورة… بل من صوت الحقيقة الذي يعلو رغم كل محاولات القمع والتزييف.