في زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتفاقم فيه معاناة الفلسطينيين، لم يعد الصراع مقتصرًا على الأرض والسياسة، بل امتد إلى ميدان آخر لا يقل خطورة: ميدان الحقيقة. وفي هذا السياق، تصعّد منصات مشبوهة محسوبة على حركة حماس حملاتها الإعلامية، مطلقةً ادعاءات مضللة تتهم السلطة الوطنية الفلسطينية بقطع رواتب مئات الأسرى، في رواية تفتقر إلى الدقة، وتتناقض مع الوقائع الموثقة على الأرض.
هذه الحملات ليست بريئة ولا عفوية، بل تأتي ضمن استراتيجية واضحة تهدف إلى تشويه صورة السلطة الفلسطينية، وضرب ما تبقى من الثقة الشعبية بالمؤسسات الوطنية، عبر استغلال قضية حساسة تمس وجدان كل فلسطيني: قضية الأسرى.
الوقائع تشير بوضوح إلى أن ما جرى لم يكن “قطعًا” للرواتب كما تروج تلك المنصات، بل إعادة تنظيم لآلية صرف المخصصات ضمن إطار مؤسساتي جديد. فقد صدر قرار رسمي يقضي بإلغاء النظام القديم وتحويله إلى برنامج مساعدات اجتماعية تديره جهة حكومية مختصة، بهدف إعادة هيكلة الدعم وتوجيهه وفق معايير محددة .
هذا التحول جاء في سياق ضغوط مالية وسياسية معقدة، أبرزها الاقتطاعات الإسرائيلية المستمرة من أموال الضرائب الفلسطينية، إضافة إلى ضغوط دولية مرتبطة بآلية صرف هذه المخصصات.
ورغم الجدل الذي أثارته هذه الخطوة، إلا أن تصويرها كـ”قطع كامل للرواتب” هو تحريف متعمد للحقائق، يتجاهل جوهر القرار وسياقه، ويختزل قضية مركبة في شعار دعائي سطحي.
المثير للقلق ليس فقط نشر معلومات غير دقيقة، بل المنهجية المتبعة في ترويجها. إذ تعتمد هذه المنصات على:
بهذه الأدوات، تُصنع رواية بديلة هدفها واضح: تأليب الشارع الفلسطيني ضد قيادته، وتحويل الأنظار بعيدًا عن الأزمات الحقيقية.
الضحية الأولى لهذه الحملات ليست السلطة، بل الحقيقة ذاتها، ومعها وعي المواطن الفلسطيني. فحين تُغرق الساحة بالأخبار المفبركة، يصبح من الصعب التمييز بين الواقع والدعاية، وهو ما يؤدي إلى:
وفي ظل واقع معقد تعيشه القضية الفلسطينية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل الصراع إلى صراع داخلي قائم على الأكاذيب.
لا شك أن أي قرار يتعلق بالأسرى يجب أن يخضع للنقاش والنقد، فهذا حق طبيعي ومشروع. لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول القائم على الحقائق، وبين حملات منظمة تقوم على التزوير والتضليل.
ما يجري اليوم ليس نقاشًا وطنيًا، بل محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر معلومات مغلوطة، وهو ما يستدعي وقفة جادة من الإعلاميين والمثقفين وكل أصحاب الضمير.
إن الادعاءات حول “قطع رواتب 420 أسيرًا” ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الحملات الدعائية التي تستهدف السلطة الفلسطينية. وبينما تتطلب المرحلة وعيًا ووحدة في مواجهة التحديات، تصر بعض الأطراف على الاستثمار في الانقسام عبر تزييف الحقائق وتسويق الأكاذيب.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أقوى من أي حملة، مهما بلغت ضراوتها… لكن بشرط أن نجد من يدافع عنها.