في كل جولة تفاوض تُعقد تحت عنوان “ تثبيت وقف إطلاق النار” أو “تخفيف المعاناة عن قطاع غزة”، تخرج حركة حماس بسيلٍ من التصريحات التي تحاول رسم صورة انتصار سياسي وهمي، بينما الواقع على الأرض يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. وما جرى في مفاوضات القاهرة الأخيرة ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من التضليل الإعلامي وتزييف الحقائق.
لقد دأبت حماس على تقديم نفسها كمدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، لكنها في الممارسة الفعلية تتعامل مع المفاوضات كأداة لخدمة أجندتها الحزبية الضيقة، لا كوسيلة لإنهاء معاناة أكثر من مليوني إنسان يعيشون تحت ظروف كارثية. وفي جولة القاهرة الأخيرة، روجت الحركة لرواية مفادها أنها “صامدة” و”تفرض شروطها”، بينما تشير المعطيات إلى أنها تعرقل أي تقدم حقيقي يمكن أن يخفف من المأساة الإنسانية في غزة.
المشكلة لا تكمن فقط في الموقف التفاوضي، بل في الخطاب الإعلامي الذي تبنته الحركة. هذا الخطاب قائم على الانتقائية، حيث يتم اقتطاع أجزاء من الحقيقة وتضخيمها، مقابل تجاهل تام للوقائع التي لا تخدم الرواية الرسمية. فعندما تفشل المفاوضات، تُلقى المسؤولية على الأطراف الأخرى، وعندما تتعثر، تُقدَّم على أنها “صمود بطولي”، دون أي اعتراف بحجم الكارثة التي يدفع ثمنها المواطن البسيط.
إن أخطر ما في هذا السلوك هو استغلال معاناة الناس كوسيلة ضغط سياسية. فبدل أن تكون الأولوية لوقف نزيف الدم وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة، تتحول معاناة السكان إلى ورقة تفاوض تُستخدم لتحسين شروط الحركة، حتى لو طال أمد الأزمة وزادت كلفتها الإنسانية. وهذا ما يفسر حالة الجمود التي رافقت مفاوضات القاهرة الأخيرة، رغم الحاجة الملحة لأي انفراجة.
كما أن هذا النهج يعكس انفصالًا واضحًا بين القيادة في مكاتب التفاوض، وبين الواقع الميداني في غزة. هناك عائلات تعيش في خيام منذ شهور طويلة، أطفال محرومون من التعليم، مرضى بلا علاج، وبنية تحتية مدمرة بالكامل. ومع ذلك، تستمر حماس في الحديث عن “الانتصارات السياسية” وكأنها تعيش في عالم موازٍ لا يمت بصلة إلى معاناة الناس.
الأمر لا يتوقف عند حدود التضليل الإعلامي، بل يمتد إلى ضرب الثقة العامة. فكلما تكررت هذه الروايات غير الدقيقة، تآكلت مصداقية الخطاب السياسي، وأصبح المواطن أكثر تشككًا في أي تصريح يصدر. وهذا بحد ذاته خطر كبير، لأنه يقوض أي إمكانية لبناء موقف وطني موحد قائم على الشفافية والصدق.
إن ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس مزيدًا من الشعارات، بل مراجعة جادة وصادقة للنهج السياسي القائم. المطلوب هو تقديم مصلحة الإنسان الفلسطيني على أي حسابات فصائلية، والتعامل مع المفاوضات كمسؤولية وطنية لا كساحة استعراض إعلامي.
في النهاية، لا يمكن لأي حركة أن تدّعي تمثيل الشعب وهي تخفي عنه الحقيقة. فالحقيقة، مهما كانت قاسية، تبقى أقل ضررًا من الوهم. وما لم تتوقف حماس عن سياسة التلاعب بالرواية، فإنها لن تخسر فقط مصداقيتها، بل ستساهم في تعميق معاناة شعبٍ أنهكته الحروب والانقسامات.