شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 5 أبريل 2026

حين ينتهي الدور… يُرمى الصوت: مراسلو غزة بين صناعة الرواية والتخلّي الصامت

حين ينتهي الدور… يُرمى الصوت: مراسلو غزة بين صناعة الرواية والتخلّي الصامت

في خطوة تثير كثيرًا من علامات الاستفهام، تتداول معلومات عن قيام قناة الجزيرة بإنهاء التعاقد مع عدد من مراسليها في قطاع غزة، تحت ذريعة “عدم الحاجة لهم”. قد يبدو القرار إداريًا بحتًا في ظاهره، لكنه في جوهره يفتح الباب واسعًا أمام نقاش عميق حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات الإعلامية ومراسليها، وحول حدود المهنية حين تتحول الكاميرا من أداة نقل حقيقة إلى أداة توجيه رواية.

ما جرى لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي حكم التغطية الإعلامية لقطاع غزة خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد المسألة مجرد نقل أحداث، بل أصبحت جزءًا من معركة سرديات، لكل طرف فيها روايته وأجندته. وفي هذا الإطار، يبرز سؤال جوهري: هل كان هؤلاء المراسلون شهودًا على الحقيقة، أم أدوات ضمن منظومة إعلامية أكبر تحدد ما يُقال وما يُخفى؟

طوال فترة عملهم، كان هؤلاء المراسلون في الواجهة. أصواتهم حاضرة، صورهم تُبث، وتقاريرهم تُعاد صياغتها لتخدم الخط التحريري. كانوا يُقدَّمون كرموز ميدانية، كناقلين لمعاناة الناس، وكصوت من قلب الحدث. لكن، هل كانت تلك الصورة كاملة؟ أم أنها كانت جزءًا من مشهد مُنتقى بعناية؟

الإعلام، في جوهره، يفترض أن يكون مرآة للواقع، لا مصنعًا له. لكن حين تتحول المؤسسات الإعلامية إلى أدوات في صراع سياسي أو أيديولوجي، تصبح الحقيقة مادة قابلة للتشكيل، يُعاد إنتاجها بما يتناسب مع الرسائل المراد تمريرها. وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية: عندما يُطلب من المراسل أن يكون جزءًا من “الرواية” بدلًا من أن يكون ناقلًا للواقع، فإنه يدخل منطقة رمادية تفقده استقلاليته ومهنيته.

قرار إنهاء التعاقد، إن صحّت تفاصيله، يعكس نمطًا مألوفًا في بعض المؤسسات: الاستخدام المرحلي. في لحظة الحاجة، يُرفع الأشخاص إلى الواجهة، يُمنحون المساحة، ويُقدَّمون كأبطال. لكن ما إن تنتهي المرحلة، حتى يتم الاستغناء عنهم بلا ضجيج، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من المشهد. هذه ليست فقط أزمة أخلاقية، بل أيضًا أزمة ثقة بين الصحفي والمؤسسة.

الأخطر من ذلك، أن هذه الممارسات تترك أثرًا عميقًا على مصداقية الإعلام ككل. حين يرى الجمهور أن الوجوه التي كانت بالأمس تمثل “الحقيقة” قد أُقصيت اليوم بلا تفسير، فإن الشك لا يتجه فقط نحو المؤسسة، بل نحو كل ما قُدم سابقًا. هل كانت تلك التقارير دقيقة؟ هل كانت الرواية مكتملة؟ أم أنها كانت جزءًا من بناء سردي أكبر؟

في غزة، حيث المعاناة حقيقية، والدمار واقع لا يمكن إنكاره، تصبح مسؤولية الإعلام مضاعفة. لأن أي انحراف في التغطية لا يسيء فقط للمهنة، بل يسيء للناس أنفسهم، عبر تسييس معاناتهم أو توظيفها ضمن أجندات ضيقة. وهنا، يتحول الصحفي من ناقل للألم إلى جزء من استثماره.

لكن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها. هناك سؤال لا بد أن يُطرح على المراسلين أنفسهم: إلى أي مدى كانوا يدركون طبيعة الدور الذي يقومون به؟ وهل كانوا مجرد ضحايا لسياسات تحريرية، أم شركاء—بشكل أو بآخر—في صناعة الخطاب الذي تم تقديمه؟

الصحافة ليست مجرد وظيفة، بل موقف. وحين يقبل الصحفي أن يكون صوته مرهونًا بخط تحريري لا يعكس الواقع كاملًا، فإنه يضع نفسه في موقع هش، قابل للاستبدال في أي لحظة. لأن المؤسسة، في النهاية، لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن من يخدم روايتها.

ما حدث—أو ما يُقال إنه حدث—يجب أن يكون جرس إنذار. ليس فقط لمن تم الاستغناء عنهم، بل لكل من يعمل في المجال الإعلامي. فالعلاقة مع المؤسسات ليست دائمًا قائمة على القيم المهنية، بل قد تكون محكومة باعتبارات مؤقتة، تنتهي بانتهاء الحاجة.

في النهاية، القضية أكبر من قرار فصل أو إنهاء تعاقد. إنها تتعلق بسؤال أعمق: من يملك الحقيقة في زمن الإعلام الموجَّه؟ وهل يمكن للصحفي أن يبقى مستقلًا داخل منظومة تُعيد تشكيل الواقع وفق مصالحها؟

ربما الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من وعي بسيط: أن الصوت الذي لا يُدافع عن الحقيقة، سيفقد قيمته أولًا… ثم يُفقد مكانه لاحقًا.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.