في اللحظة التي تُسفك فيها دماء الأبرياء، وتُدفن تحت الركام أحلام جيلٍ كامل، تخرج تسريبات ومؤشرات تتحدث عن مفاوضات تقودها حركة حماس، ليس من أجل رفع المعاناة عن الناس، بل من أجل إعادة ترتيب موقعها في المشهد، ولو كان الثمن تفكيك بنيتها العسكرية الثقيلة وبيع ما تبقى من أوراق القوة التي طالما تغنّت بها.
إن الحديث عن نموذج “التجربة الإيرلندية” ليس تفصيلاً عابراً، بل إشارة واضحة إلى مسار يشبه ما حدث مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، حين انتهى به المطاف إلى تسليم سلاحه ضمن تسوية سياسية معقدة تُوِّجت بـ اتفاق الجمعة العظيمة. لكن الفارق الجوهري هنا أن تلك التجربة جاءت بعد عقود من الصراع السياسي المنظم، وضمن بيئة دولية ضامنة، ومجتمع قادر على استيعاب التحول. أما في الحالة الفلسطينية، فإن المشهد يبدو أقرب إلى صفقة اضطرارية تُفرض تحت ضغط الانهيار، لا خياراً استراتيجياً نابعاً من مراجعة وطنية حقيقية.
ما يُطرح اليوم—وفق ما يتداول—يتضمن التخلي عن السلاح الثقيل، وتدمير جزء كبير من البنية العسكرية، مع الإبقاء على سلاح خفيف محدود، مقابل ضمانات شخصية لقيادات الحركة. وهنا تكمن الخطورة: حين يتحول “السلاح” من كونه أداة مقاومة—كما تدّعي الحركة—إلى ورقة تفاوض لحماية القيادات وتأمين خروج آمن، فإن السؤال الأخلاقي والسياسي يصبح مشروعاً: من الذي يدفع الثمن؟ ومن الذي ينجو؟
لقد حكمت حماس قطاع غزة بقبضة أمنية لسنوات، ورفضت كل صيغ الشراكة الوطنية، ووصفت أي طرح سياسي مخالف بالخيانة. واليوم، حين تضيق الدوائر وتشتد الأزمات، تعود لتفاوض على ما كانت تعتبره “ثوابت مقدسة”. هذا التحول لا يمكن قراءته إلا بوصفه محاولة للنجاة، لا مراجعة للمسار. فالمراجعات الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالأخطاء أمام الشعب، لا بعقد الصفقات في الغرف المغلقة.
الأخطر من ذلك أن أي سيناريو من هذا النوع قد يُعيد إنتاج نموذج “سلطة بلا سيادة”، حيث يُنزع السلاح الثقيل، وتُترك غزة في فراغ أمني هش، مع بقاء بنية تنظيمية قادرة على التحكم الداخلي، ولكن بلا قدرة فعلية على الردع أو الدفاع. أي أننا أمام انتقال من “حكم السلاح” إلى “إدارة ما بعد السلاح” دون ضمانات حقيقية لرفع الحصار أو إنهاء المعاناة.
كما أن استحضار النموذج الإيرلندي بشكل انتقائي يُضلل الرأي العام؛ فـ الجيش الجمهوري الإيرلندي لم يتحول فجأة، بل جاء ذلك ضمن عملية سياسية شاملة تضمنت إصلاحات دستورية، واعترافاً متبادلاً، وضمانات دولية، ومشاركة فعلية في الحكم. أما ما يُطرح اليوم، فلا يبدو أنه يحمل أي من هذه الشروط، بل أقرب إلى صفقة أمنية تُفكك القوة العسكرية مقابل ضمان سلامة القيادات.
إن الشعب الفلسطيني في غزة ليس ورقة تفاوض، وليس رهينة لمغامرات عسكرية أو صفقات إنقاذ سياسية. وإذا كانت هناك تسوية قادمة، فيجب أن تكون شفافة، وطنية، وشاملة، لا صفقة جزئية تُنقذ قادة وتترك شعباً يواجه مصيره.
في النهاية، القضية ليست في “بيع السلاح” أو “الاحتفاظ به”، بل في غياب المشروع الوطني الجامع. فالسلاح الذي لا تحكمه رؤية وطنية يصبح عبئاً، والتفاوض الذي لا يستند إلى إرادة شعبية يتحول إلى مساومة على حساب الناس. وما يجري اليوم—إن صح—ليس تحولاً تاريخياً بقدر ما هو لحظة انكشاف قاسية، تفضح حجم الفجوة بين الشعارات التي رُفعت، والواقع الذي يُفرض الآن.