في زمن تختلط فيه الحقيقة بالدعاية، وتُصادر فيه الكلمة الحرة لصالح الرواية الواحدة، يبرز اسم وضاح أبو جامع كأحد الأصوات القليلة التي تجرأت على كسر جدار الصمت، لتجد نفسها في مرمى حملات منظمة من التشويه والتخوين، تقودها منصات وصفحات مشبوهة لا تتقن سوى لغة الاغتيال المعنوي.
هذه الحملات ليست وليدة اللحظة، بل تأتي في سياق ممنهج يستهدف كل من يخرج عن الخطاب الرسمي لحركة حركة حماس، خاصة أولئك الذين يسلطون الضوء على معاناة أهل قطاع غزة تحت وطأة قرارات سياسية وعسكرية يصفها كثيرون بالمغامِرة وغير المحسوبة.
لم يكن وضاح أبو جامع أول من انتقد، لكنه كان من القلائل الذين فعلوا ذلك بوضوح مباشر، دون مواربة أو تجميل. فقد عبّر في أكثر من مناسبة عن فقدان الثقة المتراكم لدى شريحة واسعة من الغزيين تجاه سياسات حماس، مشيرًا إلى أن استمرار الحروب دون أفق واضح أو نتائج ملموسة يعكس تجاهلًا لمعاناة المدنيين .
كما طرح تساؤلات حساسة حول قرارات الحرب والسلم، وغياب الشفافية في إدارة الأزمات، وهي أسئلة تتردد يوميًا على ألسنة الغزيين، لكنها غالبًا ما تُقمع بدل أن يُجاب عنها.
بدل أن تُقابل هذه الانتقادات بنقاش موضوعي، انطلقت موجة من الهجوم الشخصي، وصلت حد التخوين والتشويه. وقد أظهرت تقارير حديثة تصاعد استهداف ناشطين، من بينهم أبو جامع، ضمن حملات إعلامية تتهمهم بتبني “روايات مضللة” أو “تبرير مواقف معادية” .
هذا النمط ليس جديدًا، بل يعكس سياسة متكررة تقوم على شيطنة المعارضين بدل الرد على أفكارهم، في محاولة لخلق بيئة يخشى فيها الجميع التعبير عن آرائهم.
ما يحدث اليوم يكشف انقسامًا عميقًا داخل المجتمع الغزي:
في هذا السياق، تصبح أي كلمة نقد بمثابة “جريمة”، وأي تساؤل مشروع يُفسَّر كخيانة، في مفارقة خطيرة تعكس حجم الأزمة السياسية والأخلاقية.
لقد أشار أبو جامع إلى أن الغزيين “فقدوا الأمل” بعد تجارب متكررة من الحروب التي انتهت دون تحقيق أهدافها المعلنة، وهو توصيف لا يمكن تجاهله، بل يستدعي مراجعة جادة بدل القمع .
الهجوم على وضاح أبو جامع ليس استثناءً، بل هو جزء من منظومة متكاملة تهدف إلى:
وتعتمد هذه المنظومة على جيوش إلكترونية وصفحات مجهولة الهوية، تعمل على بث الشائعات، واقتطاع التصريحات من سياقها، وتحويل النقد إلى “تهمة”.
السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه:
هل الدفاع عن غزة يعني الصمت عن أخطاء من يحكمها؟
أم أن الدفاع الحقيقي يبدأ من كشف الخلل ومحاسبة المسؤول؟
إن تحويل النقد إلى خيانة لا يحمي القضية، بل يضعفها. فالقضايا العادلة لا تخشى الحقيقة، بل تخشى تزييفها.
في النهاية، تبقى الحقيقة أوضح من أن تُطمس، وأقوى من أن تُهزم بحملات إلكترونية. سيظل أمثال وضاح أبو جامع يمثلون ضميرًا حيًا يرفض الخضوع، حتى وإن كان الثمن حملات تشويه وتخوين.
لأن أخطر ما يمكن أن تمر به غزة اليوم، ليس فقط الحرب…
بل غياب الصوت الذي يقول: كفى