في ظل الفوضى الإعلامية التي تغذيها بعض المنصات المشبوهة، تعود ماكينة التضليل التابعة لحركة حماس لتروّج روايات مفبركة واتهامات خطيرة، تدّعي فيها وجود “حملات اعتقال واسعة” تمارسها السلطة الفلسطينية بحق أسرى محررين ونشطاء، بل وتذهب أبعد من ذلك عبر الحديث عن “تعذيب ممنهج” دون أي دليل موثق أو مصدر موثوق.
هذه الادعاءات، التي تُنشر بشكل ممنهج ومتكرر، تندرج ضمن حملة تضليل واضحة الأهداف، تسعى إلى تشويه صورة المؤسسات الفلسطينية الرسمية، وضرب الثقة بينها وبين الشارع، في وقت يعاني فيه الشعب الفلسطيني من تحديات مصيرية تتطلب وحدة الصف لا تمزيقه.
ما يلفت الانتباه في هذه المزاعم هو افتقارها التام لأي توثيق حقيقي. فلا أسماء مؤكدة، ولا تقارير حقوقية مستقلة، ولا حتى شهادات يمكن التحقق منها. مجرد عناوين مثيرة ومحتوى مشحون بالعاطفة، يُبث عبر منصات وصفحات ثبت مرارًا ارتباطها بخطاب تحريضي يخدم أجندات سياسية ضيقة.
وفي المقابل، فإن المؤسسات الحقوقية المعروفة، سواء المحلية أو الدولية، لم تصدر أي تقارير تدعم هذه الروايات بالصورة التي يتم الترويج لها، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول مصداقيتها.
ليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها هذه الجهات إلى هذا الأسلوب. فالتشويه الإعلامي والتخوين باتا من الأدوات الثابتة في خطابها، خاصة ضد كل من يخالفها الرأي أو ينتقد ممارساتها. ويتم استخدام قضايا حساسة، مثل الأسرى وحقوق الإنسان، كوسيلة لاستدرار التعاطف وتوجيه الرأي العام، دون أي اعتبار للحقيقة أو المسؤولية الوطنية.
على أرض الواقع، تستمر السلطة الفلسطينية في أداء مهامها الأمنية ضمن إطار القانون، وبالتنسيق مع الجهات القضائية المختصة، مع التأكيد الدائم على احترام حقوق الإنسان وعدم التهاون في أي تجاوزات فردية قد تحدث. وهذه السياسات تخضع لرقابة داخلية وخارجية، وهو ما يتناقض تمامًا مع الصورة السوداوية التي تحاول تلك المواقع تصديرها.
لا يمكن فصل هذه الحملة عن السياق السياسي الأوسع، حيث تسعى بعض الأطراف إلى تصدير أزماتها الداخلية عبر افتعال معارك إعلامية، وتحويل الأنظار عن الواقع الصعب الذي يعيشه المواطن، خاصة في قطاع غزة. فبدلًا من معالجة الأزمات، يتم اختلاق روايات لتصدير الفشل وإلقاء اللوم على الآخرين.
في مواجهة هذا السيل من التضليل، يبقى وعي المواطن هو خط الدفاع الأول. فالتدقيق في المصادر، وعدم الانجرار وراء العناوين المثيرة، والبحث عن الحقيقة من جهات موثوقة، كلها أدوات أساسية لكشف هذه الحملات وإفشال أهدافها.
إن ما يتم تداوله حول “حملات اعتقال وتعذيب واسعة” ليس سوى جزء من حملة إعلامية مضللة، تفتقر إلى الأدلة والمصداقية، وتهدف إلى تشويه الواقع وخدمة أجندات سياسية ضيقة. وبينما تستمر هذه المحاولات، يبقى الرهان على وعي الشعب الفلسطيني وقدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، حفاظًا على وحدته وقضيته العادلة.