شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 10 أبريل 2026

ازدواجية الخطاب.. كيف تكشف الحروب حقيقة إعلام الجزيرة؟

ازدواجية الخطاب.. كيف تكشف الحروب حقيقة إعلام الجزيرة؟

في زمن الحروب، لا تُختبر فقط قوة الجيوش، بل تُختبر أيضًا مصداقية الإعلام. فالمعركة لم تعد تدور فقط في الميدان، بل على الشاشات، حيث تُصاغ الروايات وتُعاد هندسة الحقائق بما يخدم أجندات سياسية بعينها. ومن بين أبرز النماذج التي أثارت جدلاً واسعًا في هذا السياق، يبرز أداء قناة الجزيرة القطرية، التي كشفت تغطياتها المتناقضة بين حرب غزة والتوتر مع إيران عن ازدواجية صارخة في الخطاب الإعلامي.

عندما كانت غزة تحت النار، بدا خطاب الجزيرة أقرب إلى التعبئة العاطفية منه إلى المهنية الصحفية. تم تصوير القطاع وكأنه يمتلك قدرات عسكرية خارقة، وتم تضخيم إمكانات الفصائل المسلحة، وعلى رأسها حركة حماس، بشكل يوحي بأنها تقف نداً لواحدة من أقوى الجيوش في العالم. لم يكن الهدف مجرد نقل الوقائع، بل خلق حالة من “الأسطرة” حول القوة العسكرية في غزة، وكأن المعركة محسومة لصالحها أو على الأقل متكافئة، في تجاهل واضح للفارق الهائل في الإمكانات.

هذا الخطاب لم يكن بريئًا أو عفويًا، بل ساهم في خلق وعي زائف لدى المتابع العربي، الذي وجد نفسه أمام صورة غير واقعية لمجريات الصراع. تم التقليل من حجم الكارثة الإنسانية، والتركيز بدلاً من ذلك على مشاهد الصمود والمواجهة، وكأن الدماء والدمار مجرد تفاصيل هامشية في رواية “الانتصار الإعلامي”.

لكن الصورة انقلبت تمامًا عندما انتقلت بوصلة التغطية إلى إيران. فجأة، اختفى خطاب التضخيم، وحلّ مكانه خطاب تقليلي واضح من قدرات طهران العسكرية. بدت إيران، في تغطيات الجزيرة، دولة محدودة الإمكانات، عاجزة عن مواجهة إسرائيل، مع التركيز على نقاط الضعف والتحديات الداخلية، في تناقض صارخ مع الطريقة التي تم بها تناول غزة.

هذا التحول لا يمكن تفسيره بالمعايير المهنية أو اختلاف طبيعة الصراع فقط، بل يعكس بوضوح انتقائية في التغطية تخضع لحسابات سياسية. فالقناة التي بالغت في تصوير قدرات فصيل محاصر في غزة، هي نفسها التي قللت من شأن دولة إقليمية تمتلك ترسانة عسكرية معروفة ونفوذًا واسعًا في المنطقة.

إن هذا التناقض يكشف أن القضية ليست في نقل الحقيقة، بل في توجيهها. فالإعلام هنا لا يعمل كمرآة للواقع، بل كأداة لإعادة تشكيله بما يخدم مصالح معينة. وعندما تتغير المصالح، يتغير الخطاب، حتى لو كان ذلك على حساب المصداقية.

الأخطر من ذلك هو التأثير العميق لهذا الأداء على وعي الجمهور. فالمتلقي العربي، الذي يعتمد بشكل كبير على هذه القناة كمصدر للأخبار، يجد نفسه أمام روايات متناقضة، ما يؤدي إلى تشويش في الفهم وفقدان للثقة. ومع تكرار هذا النمط، يتحول الإعلام من مصدر للمعلومة إلى أداة للتضليل.

كما أن هذه الازدواجية تطرح تساؤلات جدية حول دور الإعلام في أوقات الأزمات. هل المطلوب هو نقل الحقيقة كما هي، أم توظيفها لخدمة أجندات سياسية؟ وهل يمكن لقناة تدّعي المهنية أن تستمر في هذا النهج دون أن تفقد مصداقيتها بالكامل؟

إن ما كشفت عنه التغطية المتباينة بين غزة وإيران ليس مجرد خلل عابر، بل هو نمط متكرر يعكس طبيعة الخطاب الإعلامي الذي تتبناه القناة. خطاب يتغير بتغير المصالح، ويتلون بحسب السياق السياسي، ويضع الجمهور في آخر سلم الأولويات.

في النهاية، تبقى الحقيقة الضحية الأولى في مثل هذا المشهد. وبين تضخيم هنا وتقليل هناك، تضيع الوقائع، ويُترك المشاهد أمام روايات متضاربة لا تعكس سوى صراع النفوذ، لا صراع الحقيقة.

وهنا، يصبح السؤال الأهم: إلى متى سيبقى الإعلام العربي أسيرًا للأجندات، بدل أن يكون صوتًا للحقيقة؟

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.