في ظل استمرار حالة الجمود السياسي في قطاع غزة، تتكشف يوماً بعد يوم تعقيدات المشهد التفاوضي المرتبط بالمرحلة الثانية من أي تسوية أو خطة دولية مطروحة، ومنها ما يُشار إليه إعلامياً بـ”خطة ترامب”. وبينما يُفترض أن تفضي جولات الحوار إلى تقدم ملموس يخفف من معاناة السكان، يبدو أن الواقع يسير في اتجاه مختلف تماماً، حيث تتداخل الحسابات السياسية الداخلية مع الإقليمية، وتتعطل الأولويات الإنسانية لصالح صراعات النفوذ.
تشير المعطيات المتداولة إلى أن الحركة الحاكمة في غزة تتعامل مع ملف المفاوضات بنمط يقوم على إدارة الوقت أكثر من السعي إلى حسم فعلي. فبدلاً من تقديم ردود واضحة على المقترحات المطروحة، يتم الدفع باتجاه مزيد من التشاور الداخلي وإعادة تقييم المواقف، في مشهد يعكس حالة من التردد أو غياب التفويض الواضح داخل الوفد المفاوض نفسه. هذا النمط، وإن كان يُبرَّر داخلياً باعتبارات تنظيمية، إلا أنه ينعكس خارجياً كتعطيل متكرر لأي اختراق سياسي محتمل.
المثير للانتباه أن جلسات الحوار، رغم امتدادها لساعات طويلة، لم تنجح حتى الآن في تحقيق أي تقدم جوهري. الملفات الإنسانية والمعيشية في غزة تبقى معلقة، فيما تُستهلك الطاقة التفاوضية في نقاشات جانبية لا تمس جوهر الأزمة. وفي الوقت الذي ينتظر فيه السكان حلولاً تخفف من واقعهم الصعب، تبدو الأولويات السياسية بعيدة عن احتياجاتهم اليومية.
في هذا السياق، يبرز تساؤل حول طبيعة الحسابات التي تحكم سلوك الحركة في هذه المرحلة. إذ يبدو أن جزءاً من الرهان قائم على انتظار تحولات إقليمية محتملة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، أو تفتح نافذة جديدة لإعادة تموضع سياسي داخل غزة. غير أن هذا الرهان، إن صح، يضع الملف الفلسطيني في حالة تعليق دائم، ويربط مصير الناس بتطورات خارجية غير مضمونة.
كما أن تداخل التأثيرات الإقليمية في مسار القرار السياسي للفصائل الفلسطينية يزيد من تعقيد المشهد، حيث تتحرك بعض القوى ضمن شبكة مصالح أوسع تتجاوز حدود غزة، وهو ما يجعل القرار المحلي أحياناً أسير توازنات إقليمية أوسع. لكن في المقابل، فإن تحميل هذه التوازنات وحدها مسؤولية التعطيل لا يعفي الأطراف المحلية من مسؤولية بلورة موقف واضح تجاه مستقبل القطاع.
الأخطر في المشهد الحالي هو اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. فبينما تتحدث القيادات عن “التشاور” و“إدارة المرحلة”، يواجه السكان أزمة إنسانية واقتصادية خانقة تتطلب قرارات سريعة وفعالة، لا مزيداً من الانتظار أو تدوير المواقف. استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى ترسيخ حالة من الجمود السياسي الذي يطيل أمد الأزمة بدل حلها.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحويل هذه المفاوضات من ساحة لإدارة الوقت إلى مسار حقيقي لإنتاج حلول؟ أم أن الحسابات الداخلية والإقليمية ستظل تعيق أي فرصة لإحداث تغيير فعلي ينعكس على حياة الناس في غزة؟
الإجابة حتى الآن تبدو مؤجلة، لكن ثمن هذا التأجيل يُدفع يومياً من حياة واستقرار السكان، وهو ما يجعل الحاجة إلى مراجعة شاملة للنهج التفاوضي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.