شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 18 أبريل 2026

جباية تحت الركام: كيف تحوّلت الضرائب في غزة إلى أداة قسر وإخضاع بيد أجهزة حماس

جباية تحت الركام: كيف تحوّلت الضرائب في غزة إلى أداة قسر وإخضاع بيد أجهزة حماس

في وقتٍ تُثقل فيه الحرب كاهل قطاع غزة، ويكافح الناس لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، تبرز واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل والغضب الشعبي: سياسة فرض الضرائب والجبايات التي تنتهجها أجهزة حركة حماس بحق المواطنين المنكوبين. وبينما يُفترض أن تكون الأولوية المطلقة هي تخفيف المعاناة، يجد الغزيون أنفسهم في مواجهة واقع مغاير، حيث تُفرض عليهم أعباء مالية إضافية تحت مسميات متعددة، لا تعكس سوى تعمّق الأزمة بدل معالجتها.

منذ سنوات، رسّخت الأجهزة التابعة لحماس منظومة جباية معقدة، تبدأ من المعابر ولا تنتهي عند أبسط الأنشطة اليومية. ضرائب على السلع الأساسية، رسوم على التراخيص، جبايات على الوقود، وحتى على المساعدات أحياناً بشكل غير مباشر. ومع كل تصعيد عسكري أو انهيار اقتصادي، بدلاً من تخفيف الضغط، تتجه هذه السياسات إلى مزيد من التشدد، وكأن المواطن الغزي أصبح المصدر الأخير لتعويض عجز الإدارة المالية.

الأخطر من ذلك ليس فقط في وجود الضرائب، بل في طبيعتها القسرية. فالمواطن الذي يعجز عن الدفع، لا يواجه مجرد غرامة، بل قد يتعرض لإجراءات عقابية، تشمل إغلاق مصدر رزقه، أو ملاحقات أمنية، أو تضييق إداري ممنهج. هذا النمط من التعامل يعكس انتقال الجباية من كونها أداة تنظيم اقتصادي إلى وسيلة فرض سيطرة وإخضاع، في ظل غياب أي مساءلة حقيقية أو شفافية في كيفية إدارة هذه الأموال.

اللافت أيضاً أن هذه السياسة تأتي في وقت تتراجع فيه الخدمات العامة بشكل حاد. فالكهرباء شحيحة، المياه ملوثة، البنية التحتية مدمرة، والقطاع الصحي على حافة الانهيار. ومع ذلك، لا يلمس المواطن انعكاساً واضحاً لما يُجبى من أموال على تحسين واقعه. بل على العكس، تتزايد التساؤلات حول أوجه إنفاق هذه الإيرادات، وسط غياب أي تقارير مالية علنية أو رقابة مستقلة.

في السياق ذاته، يرى كثير من المراقبين أن هذه الجبايات أصبحت جزءاً من نموذج حكم قائم على إدارة الأزمات لا حلّها. فبدلاً من البحث عن حلول اقتصادية مستدامة، يتم اللجوء إلى جيب المواطن كحل سريع، ولو على حساب استنزافه الكامل. وهو ما يفاقم من حالة الاحتقان الشعبي، ويعمّق الفجوة بين الشارع والجهات الحاكمة.

ولا يمكن إغفال الأثر الاجتماعي والنفسي لهذه السياسات، حيث يشعر المواطن بأنه محاصر من كل الجهات: حرب من الخارج، وضغط معيشي من الداخل. هذا الشعور المركب يولّد حالة من الإحباط العام، ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أولويات الحكم ومعايير العدالة في توزيع الأعباء.

إن استمرار فرض الضرائب القسرية في ظل هذه الظروف الكارثية لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، سواء كانت سياسية أو أمنية. فالمسؤولية الأخلاقية والوطنية تقتضي إعادة النظر جذرياً في هذه السياسات، ووضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبار آخر.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: إلى متى سيظل المواطن الغزي الحلقة الأضعف، التي تُحمّل وحدها كلفة الأزمات، دون أن يكون لها صوت في القرار أو نصيب في الحل؟

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.