في الوقت الذي يعيش فيه سكان قطاع غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخهم المعاصر، لم يتردد الشعب الموريتاني في مد يد العون، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الكثير من أبنائه. فمنذ اندلاع الحرب، تحولت موريتانيا إلى ساحة تضامن واسعة مع غزة، وشهدت حملات تبرع شعبية وجماهيرية غير مسبوقة، شارك فيها مواطنون وبسطاء وتجار وشيوخ قبائل وفعاليات أهلية، في مشهد أثار إعجاب العالم العربي والإسلامي.
لكن بعد مرور أشهر طويلة على جمع التبرعات، يبرز سؤال كبير لا يمكن تجاهله أو الهروب منه:
أين ذهبت هذه الأموال؟
وما حجم المساعدات التي وصلت فعلياً إلى سكان غزة مقارنة بما تم الإعلان عن جمعه؟
هذا السؤال لم يعد مجرد تساؤل عابر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى قضية رأي عام بعد تداول تصريحات وتقارير إعلامية تحدثت عن عدم وصول جزء من التبرعات التي جُمعت باسم غزة إلى مستحقيها داخل القطاع، وهو ما فتح الباب أمام موجة واسعة من المطالبات بالشفافية والمساءلة.
إن القضية هنا لا تتعلق بصراع سياسي ولا بخلاف حزبي، بل بأموال تبرع بها مواطنون من قوت يومهم، اعتقاداً منهم أنها ستصل إلى أطفال جائعين وأسر مشردة وجرحى يبحثون عن العلاج.
الموريتاني الذي باع جزءاً من ممتلكاته أو تبرع من راتبه المحدود لم يكن يبحث عن مكسب سياسي، ولم يكن ينتظر شكراً من أحد. كان يريد فقط أن يخفف شيئاً من معاناة أهل غزة.
ولهذا فإن أي غموض يحيط بمصير تلك الأموال يمثل طعنة مباشرة في ثقة المتبرعين.
اللافت أن حجم التبرعات التي أُعلن عن جمعها خلال الأشهر الماضية كان كبيراً جداً مقارنة بالإمكانات الاقتصادية لموريتانيا، ما يجعل من حق الرأي العام أن يعرف بالتفصيل:
– كم جُمع من الأموال؟
– من هي الجهات التي تسلمتها؟
– أين أودعت؟
– كيف تم إنفاقها؟
– ما قيمة المبالغ التي وصلت فعلياً إلى داخل غزة؟
– ومن هم المستفيدون منها؟
هذه أسئلة مشروعة لا يجوز التعامل معها باعتبارها هجوماً على العمل الخيري أو استهدافاً للقضية الفلسطينية.
فالشفافية لا تضر العمل الإنساني، بل تحميه.
أما التعتيم فهو الذي يفتح الباب أمام الشائعات والاتهامات ويضرب ثقة الناس في أي حملة تبرعات مستقبلية.
لقد أثبتت التجارب حول العالم أن غياب الرقابة على الأموال الإنسانية يخلق بيئة مثالية للهدر وسوء الإدارة، بل وأحياناً للفساد والاستغلال السياسي.
ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تقتضي نشر كشوفات مالية مفصلة تبين للرأي العام مسار كل دولار تم جمعه باسم غزة.
فإذا كانت الأموال قد وصلت بالفعل إلى مستحقيها، فإن نشر الوثائق سيغلق باب الجدل ويمنح المتبرعين الطمأنينة التي يستحقونها.
أما إذا كانت هناك أموال لم تصل أو تعرضت لسوء إدارة أو استغلال، فإن الواجب القانوني والأخلاقي يفرض فتح تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
إن غزة لا تحتاج فقط إلى التبرعات، بل تحتاج أيضاً إلى الأمانة في إدارة تلك التبرعات.
والشعب الموريتاني الذي وقف إلى جانب الفلسطينيين لعقود طويلة يستحق إجابات واضحة لا تحتمل التأويل.
فالأموال التي جُمعت باسم الجوعى والجرحى والنازحين ليست ملكاً لأحد، ولا يجوز أن تبقى أرقامها الحقيقية أو مصيرها مجهولين.
لقد آن الأوان لكشف الحقيقة كاملة.
ففي القضايا الإنسانية لا مكان للغموض.
وفي أموال التبرعات لا تكفي الشعارات.
وحدها الشفافية هي التي تحمي الثقة، وتحفظ حقوق المتبرعين، وتضمن وصول الدعم إلى من يحتاجه فعلاً داخل غزة.ملاحظة تحريرية: توجد تقارير وتصريحات حديثة أثارت تساؤلات حول مصير بعض التبرعات الموجهة لغزة من موريتانيا، لكن هذه الادعاءات تحتاج إلى تحقيقات ووثائق رسمية مستقلة لحسمها بشكل نهائي.