في الوقت الذي يعيش فيه سكان قطاع غزة واحدة من أصعب المراحل في تاريخهم الحديث، برز “بيان رقم (2) لثورة 26 يونيو” باعتباره وثيقة سياسية وشعبية تحمل جملة من المطالب الإنسانية والوطنية التي تعكس حجم المعاناة التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني تحت وطأة الحرب والنزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية. وقد جاء البيان في سياق تصاعد الدعوات الشعبية للخروج في “يوم غضب” يوم 26 يونيو احتجاجاً على الواقع الكارثي الذي يعيشه القطاع.
اللافت في البيان أنه لا يطرح شعارات حزبية أو فصائلية، بل يركز على حقوق أساسية يعتبرها أي شعب في العالم حقوقاً طبيعية لا يجوز التنازل عنها. فمنذ بدايته يؤكد البيان أن الشعب هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وأنه دفع أثماناً باهظة من دمه ومستقبله وبيوته وأبنائه، ومن حقه أن يعبّر عن إرادته المستقلة بعيداً عن أي وصاية أو احتكار سياسي.
وتتمحور مطالب البيان حول عشرة عناوين رئيسية، تبدأ بالمطالبة بحق الغزيين في أن يُسمع صوتهم بعد سنوات من الحرب والحصار، ورفض مصادرة إرادتهم السياسية أو التحدث باسمهم دون تفويض شعبي. كما يؤكد حق المواطنين في استعادة حياتهم الطبيعية بعد سنوات من الدمار والنزوح، ورفض تحويل واقع الخيام والجوع إلى حالة دائمة مفروضة على السكان.
ويولي البيان أهمية خاصة للجانب الإنساني، حيث يدعو إلى إجراءات عاجلة لمواجهة انتشار الأمراض والأوبئة بين النازحين، وتوفير الرعاية الصحية للمرضى والجرحى، وإنهاء معاناة آلاف المرضى المدرجين على قوائم العلاج والسفر. كما يسلط الضوء على الكارثة التعليمية التي يعيشها أطفال غزة بعد سنوات من تعطيل العملية التعليمية، مؤكداً أن المدارس هي المكان الطبيعي للأطفال وليس مخيمات النزوح وطوابير المساعدات.
ومن أبرز ما جاء في البيان رفضه للمشهد الذي بات يختزل الفلسطيني في صورة متلقٍ للمساعدات أو منتظرٍ لرغيف الخبز، حيث يؤكد الموقعون أن الشعب الفلسطيني صاحب تاريخ وهوية وحقوق وطنية، وأن كرامته لا تقل أهمية عن حاجته إلى الغذاء والدواء. ويشدد البيان على أن استمرار الحياة في الخيام لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحق في السكن الكريم والاستقرار والأمن.
كما يحمل البيان رسالة سياسية واضحة برفض أي مشاريع أو محاولات تهدف إلى دفع سكان غزة نحو التهجير أو اقتلاعهم من أرضهم، مؤكداً أن الفلسطينيين متمسكون بأرضهم وحقوقهم الوطنية مهما بلغت الضغوط والتحديات.
ورغم الطبيعة الإنسانية الواضحة لمطالب البيان، فقد تعرض منذ لحظة صدوره إلى هجمة واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي من قبل حسابات وصفحات محسوبة على حركة حماس ومناصريها، حيث سعت هذه الحملات إلى تصوير الحراك الشعبي على أنه مؤامرة سياسية أو مشروع خارجي، بدلاً من مناقشة المطالب التي يتضمنها البيان. وقد تزامنت هذه الحملات مع تصاعد الجدل حول الدعوات الشعبية ليوم 26 يونيو وما يمثله من تعبير عن حالة الغضب المتراكمة داخل القطاع.
ويرى مراقبون أن جوهر النقاش لا يجب أن ينصرف إلى تخوين أصحاب المطالب أو التشكيك في دوافعهم، بل إلى الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها البيان نفسه: لماذا يعيش مئات الآلاف في الخيام؟ لماذا تتزايد أعداد المرضى المحرومين من العلاج؟ لماذا حُرم الأطفال من التعليم للعام الثالث على التوالي؟ ولماذا يشعر قطاع واسع من السكان بأن صوته لم يعد مسموعاً؟
إن البيان، بغض النظر عن المواقف السياسية منه، يعكس حالة غضب حقيقية تتشكل داخل المجتمع الغزي نتيجة تراكم المآسي الإنسانية واستمرار الحرب وانسداد الأفق السياسي. ولذلك فإن التعامل معه عبر حملات التحريض والتخوين قد لا يؤدي إلى معالجة الأزمة، بل قد يزيد من اتساع الفجوة بين الشارع والقوى السياسية المختلفة.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأساسية التي يحملها البيان واضحة: سكان غزة لا يطالبون بالمستحيل، بل يطالبون بحقهم في الحياة الكريمة، والعلاج، والتعليم، والسكن، والأمن، وحقهم في أن يكون لهم صوت يُسمع وإرادة تُحترم. وهي مطالب إنسانية قبل أن تكون سياسية، ومطالب شعب أنهكته الحرب لكنه ما زال يتمسك بحقه في الحياة والكرامة.