في الوقت الذي يعيش فيه سكان قطاع غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ المعاصر، وبينما تتسع رقعة الجوع والتشريد والانهيار الاجتماعي، تتصاعد تساؤلات خطيرة حول أولويات الجهات الأمنية في القطاع، بعد الكشف عن تعرض الناشطة الفلسطينية نوال يحيى فروانة لسلسلة من الاتصالات والضغوط المتواصلة لإجبارها على الحضور إلى أحد المقار الأمنية التابعة لحركة حماس في غزة.
بحسب رواية فروانة، بدأت القصة باتصالات هاتفية تلقتها من جهة عرّفت نفسها بأنها من الشرطة، مطالبة إياها بالحضور إلى مقر “التطبيقية”. في البداية اعتقدت أن الأمر لا يتجاوز مزحة ثقيلة أو سوء تفاهم، لكن تكرار الاتصالات وتصاعد لهجتها كشف أن المسألة تتجاوز ذلك بكثير.
وتقول فروانة إن المكالمات تحولت سريعاً من طلب الحضور إلى لغة التهديد والوعيد، حيث جرى إبلاغها بوجود “قضية” بحقها دون توضيح طبيعتها، قبل أن تتطور الأمور – وفق روايتها – إلى تهديدات مباشرة بإحضارها بالقوة إذا رفضت الامتثال للأوامر.
الأخطر من ذلك أن الضغوط لم تقتصر عليها شخصياً، بل امتدت إلى أقاربها وأشقائها في محاولة لإقناعها بالحضور، مع تقديم تطمينات بأنها لن تتعرض للأذى. غير أن الناشطة الغزية رفضت تلك الضغوط بشكل قاطع، معتبرة أن القضية مرتبطة بمواقفها وآرائها ومنشوراتها على مواقع التواصل الاجتماعي، لا بأي مخالفة قانونية حقيقية.
الحادثة أعادت إلى الواجهة ملف الحريات العامة وحرية التعبير في قطاع غزة، وهو الملف الذي ظل محل جدل وانتقادات واسعة خلال السنوات الماضية.
ففي الوقت الذي تتزايد فيه أصوات المواطنين الغاضبة من واقع الحرب والجوع والتهجير وانعدام الأفق، يرى كثيرون أن ملاحقة أصحاب الآراء المنتقدة لا تمثل حلاً للأزمات المتراكمة، بل قد تزيد من حالة الاحتقان الشعبي وفقدان الثقة.
وتطرح قضية فروانة سؤالاً جوهرياً: لماذا يجري استنزاف الجهد في ملاحقة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي بينما تغرق غزة في أزمات معيشية وأمنية واقتصادية غير مسبوقة؟
فالشوارع والأسواق ومخيمات النزوح تعج يومياً بشكاوى المواطنين من الفقر والجوع وارتفاع الأسعار وغياب الخدمات الأساسية، بينما تتصاعد الاتهامات بوجود فساد ومحسوبية واستغلال للأوضاع الإنسانية في أكثر من ملف.
لا يمكن فصل ما حدث مع نوال فروانة عن حالة الغضب الشعبي المتنامية داخل القطاع. فمع استمرار المعاناة الإنسانية وتراكم الأزمات، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي متنفساً أساسياً للناس للتعبير عن غضبهم وأوجاعهم وانتقاداتهم للواقع القائم.
ومن هنا يرى مراقبون أن أي محاولة لتقييد هذا الهامش المحدود من التعبير ستُفسر شعبياً باعتبارها محاولة لإسكات الأصوات المنتقدة بدلاً من معالجة أسباب الغضب نفسها.
فالناس لا تتحدث اليوم عن قضايا هامشية، بل عن معاناة يومية تتعلق بالبقاء على قيد الحياة، وعن أسر فقدت منازلها وأعمالها ومصادر رزقها، وعن واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم.
القضية لم تعد تتعلق بشخص نوال فروانة وحدها، بل أصبحت بالنسبة لكثيرين اختباراً لطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الأجهزة الأمنية والمواطنين.
فالناشطة التي أعلنت رفضها التوجه إلى المقر الأمني رغم الضغوط المتواصلة، تقول إنها لا تتخذ موقفها بدافع التحدي أو الاستعراض، وإنما انطلاقاً من قناعة شخصية ورفض لما تعتبره استهدافاً بسبب آرائها ومواقفها.
وفي المقابل، يرى متضامنون معها أن ملاحقة النساء والناشطات بسبب منشورات أو آراء سياسية أو اجتماعية ترسل رسائل سلبية إلى المجتمع، وتعمق الشعور بأن حرية التعبير أصبحت محل تهديد في وقت يحتاج فيه الفلسطينيون إلى مساحة أوسع للحوار والنقد والمساءلة.
وسط كل ما تمر به غزة من دمار ونزوح وفقر ومجاعة وانهيار للخدمات، تبدو الأولويات بالنسبة للمواطن العادي مختلفة تماماً عما يجري تداوله في أروقة الملاحقات الأمنية.
فالناس تنتظر حلولاً لأزماتها اليومية، وتبحث عن الأمن الغذائي والدواء والمأوى وفرص الحياة الكريمة، لا عن أخبار استدعاءات وملاحقات لناشطين وناشطات بسبب آرائهم.
ولهذا السبب أثارت قضية نوال فروانة تعاطفاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن المعركة الحقيقية يجب أن تكون ضد الفساد والفوضى وتجار الأزمات والمستفيدين من معاناة الناس، لا ضد الأصوات التي تعبر عن غضب الشارع وآلامه.
وفي النهاية، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل أصبحت الكلمة الحرة جريمة؟ وهل تتحول مواقع التواصل إلى ساحة ملاحقة بدلاً من كونها مساحة للتعبير؟ والأهم، هل تستطيع أي جهة أن توقف موجة الغضب المتصاعدة بمجرد استدعاء أصحابها، أم أن الطريق الحقيقي يبدأ بالاستماع إلى الناس ومعالجة الأسباب التي دفعتهم إلى الصراخ؟ :::