شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 14 يونيو 2026

14 يونيو 2007.. يوم الخطيئة الكبرى لحركة حماس التي دفعت غزة ثمنها أجيالاً

14 يونيو 2007.. يوم الخطيئة الكبرى لحركة حماس التي دفعت غزة ثمنها أجيالاً

في الرابع عشر من يونيو عام 2007 لم يكن ما جرى في قطاع غزة مجرد خلاف سياسي أو صراع على السلطة كما حاول البعض تسويقه لاحقاً، بل كان لحظة مفصلية سوداء في التاريخ الفلسطيني المعاصر، لحظة انكسرت فيها وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وانفتح الباب واسعاً أمام سلسلة طويلة من الكوارث التي ما زالت تتوالى حتى يومنا هذا.

ذلك اليوم لم يكن انتصاراً لفصيل على آخر، ولم يكن إنجازاً وطنياً كما يحاول أنصاره تصويره، بل كان انقلاباً كاملاً على المشروع الوطني الفلسطيني وعلى فكرة الشراكة السياسية وعلى إرادة شعب دفع أثماناً باهظة من أجل حريته ووحدته الوطنية. منذ تلك اللحظة دخل قطاع غزة نفقاً مظلماً من الانقسام والعزلة والصراعات الداخلية، وتحول إلى ساحة مفتوحة للمغامرات والحسابات الإقليمية التي لم يكن أهل القطاع طرفاً فيها ولا مستفيدين منها.

على مدار ما يقارب عقدين من الزمن، احتكرت جماعة حماس المسلحة القرار السياسي والأمني في غزة، وأقصت كل صوت معارض، وحولت الخلاف السياسي إلى تهمة تستوجب الملاحقة والاعتقال والتخوين. تم تفريغ الحياة السياسية من مضمونها الحقيقي، وتعطلت المؤسسات، وغابت الانتخابات، وتحول المواطن إلى مجرد متلقٍ للقرارات التي تُفرض عليه دون أن يكون له أي دور في صناعتها أو محاسبة أصحابها.

وخلال هذه السنوات لم يكن الثمن سياسياً فقط، بل كان إنسانياً واجتماعياً واقتصادياً ووطنياً بامتياز. آلاف الكفاءات والشباب اضطروا إلى الهجرة بحثاً عن مستقبل مفقود، ومئات المبادرات المجتمعية ووجهت بالقمع أو التضييق، بينما جرى تكريس ثقافة الولاء الحزبي على حساب الانتماء الوطني الجامع.

أما الكارثة الأكبر فجاءت عندما تحولت غزة إلى رهينة لمعادلات إقليمية معقدة، وأصبح مصير أكثر من مليوني إنسان مرتبطاً بقرارات تتخذ خارج إطار الإجماع الوطني الفلسطيني. ومع كل جولة تصعيد أو حرب جديدة كان المواطن الغزي يدفع الثمن من دمه وبيته ومستقبل أطفاله، فيما كانت الشعارات الكبرى تُرفع فوق أنقاض المدن والأحياء المدمرة.

لقد أثبتت السنوات أن الانفراد بالقرار لا يصنع انتصاراً، وأن تغييب الشراكة الوطنية لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والضعف. كما أثبتت الأحداث أن ضرب المؤسسات الفلسطينية وإضعاف التمثيل الوطني الشرعي لم يخدم سوى الاحتلال الذي وجد في الانقسام الفلسطيني فرصة تاريخية لتعميق سياساته العدوانية وتكريس واقع الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

ثم جاءت الكارثة الأعظم التي قامت بها حركة حماس في أكتوبر وما تبعها من أحداث مدمرة لتكشف حجم المأساة التي وصلت إليها غزة. مدن وأحياء كاملة سويت بالأرض، عشرات الآلاف من الضحايا والجرحى، مئات آلاف المشردين، وبنية تحتية مدمرة، في واحدة من أكثر الفترات إيلاماً في تاريخ الشعب الفلسطيني الحديث. وبينما كان الناس يبحثون عن الحد الأدنى من الأمان والحياة، استمرت بعض الأصوات في تبرير السياسات نفسها التي أوصلت القطاع إلى هذا المصير الكارثي.

الأكثر خطورة اليوم أن جيلاً كاملاً نشأ بعد انقلاب حماس عام 2007 بات يتعرض يومياً لعملية إعادة إنتاج للرواية ذاتها، رواية تمجد الانقسام وتبرر القمع وتصور الاعتراض وكأنه خيانة. وعندما ترى شاباً كان طفلاً يوم وقوع الانقلاب يطالب اليوم بتكراره أو الاحتفاء به، فإن ذلك يكشف حجم التأثير العميق لسنوات طويلة من التعبئة الحزبية التي حاولت تحويل الخطأ إلى بطولة والكوارث إلى إنجازات.

ومع ذلك، لم يتوقف الشباب الفلسطيني عن المحاولة. خرجت أصوات كثيرة تطالب بالإصلاح وإنهاء الانقسام واستعادة القرار الوطني الجامع وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس ديمقراطية. لكن الرد في كثير من الأحيان كان القمع والاعتقال والتشهير والتخوين، وكأن المطالبة بالشراكة الوطنية أصبحت جريمة، وكأن الدعوة إلى إنهاء الانقسام باتت خروجاً عن الإجماع.

إن من حق الشباب الفلسطيني، بل من واجبه الوطني، أن يرفض هذا الواقع وأن يسعى إلى تغييره بكل الوسائل السلمية والديمقراطية الممكنة. فمن حقه أن يطالب بإنهاء الانقسام، ومن حقه أن يطالب بمحاسبة المسؤولين عن الكوارث التي حلت بغزة، ومن حقه أن يرفض استمرار الحالة السياسية الشاذة التي استنزفت المجتمع الفلسطيني وأضعفت قدرته على مواجهة التحديات الكبرى.

بعد تسعة عشر عاماً تقريباً على تلك اللحظة السوداء، لم يعد السؤال: ماذا جرى في 14 يونيو 2007؟ بل أصبح السؤال: إلى متى سيبقى الشعب الفلسطيني يدفع ثمن تلك الخطيئة الكبرى؟

لقد آن الأوان لإغلاق هذا الفصل المظلم من التاريخ الفلسطيني، واستعادة الحياة السياسية الطبيعية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية، وإنهاء احتكار القرار، وتمكين الشعب من اختيار قيادته عبر صناديق الاقتراع لا عبر فوهات البنادق.

فالأوطان لا تُبنى بالانقلابات، ولا تُدار بالتخوين، ولا تُحمى بالقمع. والأجيال التي دفعت أثماناً باهظة من دمائها وأعمارها تستحق مستقبلاً أفضل من مستقبل صنعته سنوات الانقسام والمغامرات والصراعات العبثية.

أما الذين أصروا على جر غزة إلى هذا المصير، ورفضوا مراجعة أخطائهم أو الاعتذار عنها أو التراجع عنها، فقد آن لهم أن يغادروا المشهد السياسي والاجتماعي غير مأسوف عليهم، وأن يفسحوا المجال لجيل جديد يؤمن بالشراكة الوطنية والديمقراطية وسيادة القانون، ويضع مصلحة الشعب فوق مصالح التنظيمات والحسابات الضيقة.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.