شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 14 يونيو 2026

حين يصبح الفلسطيني خصماً للفلسطيني: كيف حوّلت حماس بوصلة الصراع؟

حين يصبح الفلسطيني خصماً للفلسطيني: كيف حوّلت حماس بوصلة الصراع؟

منذ سنوات طويلة، كان الفلسطينيون يعتقدون أن معركتهم الأساسية هي مع الاحتلال الإسرائيلي، وأن كل الطاقات والجهود يجب أن تتجه نحو إنهاء الاحتلال وانتزاع الحرية والاستقلال. لكن ما جرى في قطاع غزة خلال السنوات الماضية، وما تفاقم بصورة كارثية بعد السابع من أكتوبر، كشف واقعاً مختلفاً ومؤلماً: فبدلاً من أن يكون الصراع موجهاً نحو الاحتلال، بات جزء كبير منه موجهاً نحو الفلسطيني نفسه.

اليوم، وبينما تفرض إسرائيل سيطرة عسكرية وأمنية شبه كاملة على قطاع غزة، وتتحكم في حدوده وأجوائه ومصيره، لا يبدو أن الأولوية لدى حركة حماس هي مواجهة هذه السيطرة أو مراجعة السياسات التي قادت إلى هذا الانهيار التاريخي. بل إن المعركة الأكثر شراسة التي تخوضها الحركة تبدو موجهة ضد الأصوات الفلسطينية المعارضة، وضد كل من يجرؤ على انتقاد أدائها أو تحميلها جزءاً من المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع.

لقد تحولت غزة إلى مساحة تختلط فيها المأساة الإنسانية بالخوف السياسي. عشرات الآلاف من العائلات فقدت أبناءها ومنازلها ومستقبلها، ومئات الآلاف يعيشون بين النزوح والجوع والفقر، ومع ذلك لا يزال كثير من المنتقدين يواجهون حملات التخوين والترهيب والتشهير لمجرد أنهم يطرحون أسئلة مشروعة حول جدوى السياسات التي أوصلت القطاع إلى هذا الواقع الكارثي.

وتشير تقارير حديثة إلى اتهامات بوقوع انتهاكات وأعمال قمع ضد معارضين ومشتبه بهم داخل غزة خلال فترة الحرب، بما في ذلك حالات قتل وتعذيب وعقوبات خارج إطار القانون، وفق ما وثقته جهات دولية مختلفة.

المفارقة الصادمة أن المواطن الفلسطيني الذي ينتقد حماس قد يجد نفسه هدفاً للهجوم أكثر من أي جهة أخرى. فبدلاً من فتح باب النقاش الوطني والمحاسبة السياسية، يجري تصوير كل رأي مخالف على أنه خيانة أو خدمة للاحتلال. وهكذا يتم اختزال القضية الفلسطينية بأكملها في الدفاع عن سلطة الأمر الواقع، وكأن بقاء الحركة في الحكم أصبح أهم من بقاء المجتمع نفسه.

لقد شهد الفلسطينيون عام 2007 انقساماً دموياً ترك جروحاً عميقة في الجسد الوطني. ومنذ ذلك الوقت، تعمق الشرخ الفلسطيني الداخلي حتى أصبحت المصالحة شعاراً يتكرر في البيانات أكثر مما يتحقق على الأرض. وفي ظل غياب الانتخابات وتجديد الشرعيات والمؤسسات الجامعة، تراجع المشروع الوطني لصالح مشاريع الفصائل والنفوذ والسيطرة.

إن أخطر ما فعلته حماس خلال السنوات الماضية ليس فقط فشلها في إدارة غزة أو إدخالها في حروب مدمرة، بل مساهمتها في تحويل الخلاف السياسي إلى حالة استقطاب داخلي حاد، بحيث أصبح الفلسطيني المختلف معها يُعامل باعتباره عدواً ينبغي إسكات صوته بدلاً من الاستماع إليه. كما أن تزايد الانتقادات الشعبية والضغوط الداخلية على الحركة خلال سنوات الحرب عكس حجم الغضب والإحباط الموجود بين قطاعات واسعة من السكان.

إن الشعوب الحية لا تتقدم إلا بالنقد والمراجعة والمحاسبة. أما الأنظمة والحركات التي تعتبر نفسها فوق النقد فإنها تتحول تدريجياً إلى عبء على مجتمعاتها مهما رفعت من شعارات. والقضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل وأكبر من أي سلطة وأكبر من أي قيادة. ومن حق الفلسطيني أن يسأل: لماذا وصلنا إلى هنا؟ ومن المسؤول؟ وكيف نمنع تكرار الكارثة؟

ليس مطلوباً من الفلسطيني أن يختار بين معارضة الاحتلال أو معارضة الأخطاء الداخلية. فالنضال الحقيقي يبدأ بالقدرة على مواجهة كل أشكال الظلم والاستبداد والفشل، أياً كان مصدرها. ومن حق أهل غزة الذين دفعوا أثماناً هائلة من دمائهم وأعمارهم وأحلامهم أن يطالبوا بالمحاسبة والمراجعة والشفافية، لا أن يُطلب منهم الصمت تحت وطأة الخوف أو التخوين.

لقد آن الأوان لإعادة توجيه البوصلة نحو مشروع وطني فلسطيني جامع، يقوم على الشراكة والتعددية واحترام الرأي الآخر، لا على احتكار القرار وإقصاء المعارضين. فالأمم لا تُبنى بالسلاح وحده، بل تُبنى أيضاً بالحرية والعدالة والمساءلة.

ويبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من الفلسطينيين اليوم: إذا كانت إسرائيل تسيطر على غزة بالقوة، فلماذا تُوجَّه البنادق السياسية والإعلامية نحو الفلسطيني المعترض؟ ولماذا أصبح الصوت الفلسطيني الحر أكثر إزعاجاً لبعض القوى من الاحتلال نفسه؟

ذلك سؤال لن يختفي، لأن معاناة الناس أكبر من أن تُدفن تحت الشعارات، ولأن الحقيقة مهما تأخر ظهورها تبقى أقوى من كل محاولات إسكاتها.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.