شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 25 فبراير 2026

اعتقال عبد الرؤوف ب بربخ… حين تتحوّل الكلمة في غزة إلى جريمة والرأي إلى زنزانة

اعتقال عبد الرؤوف ب بربخ… حين تتحوّل الكلمة في غزة إلى جريمة والرأي إلى زنزانة

في تطوّر خطير يعيد إلى الأذهان أكثر الصفحات قتامة في المشهد الفلسطيني الداخلي، أعلن الناشط الفلسطيني عبد الرؤوف بربخ عن اعتقاله لدى جهاز الأمن الداخلي التابع لحركة حماس، في خطوة تنذر بعودة ممنهجة لسياسة الاعتقالات السياسية على خلفية الرأي، وتكشف أن مساحة الحرية في قطاع غزة باتت أضيق من أن تتسع لصوت معارض أو كلمة ناقدة.

ليست القضية هنا اسمًا عابرًا في سجل الاعتقالات، بل دلالة سياسية وأخلاقية على نهج يتكرّس بصمت. فحين يُعتقل عبد الرؤوف ب بربخ بسبب رأي أو موقف أو كلمة، فإن الرسالة تتجاوز شخصه إلى كل ناشط وصحفي وكاتب ومواطن يفكر في التعبير عمّا يختلج في صدره. الرسالة واضحة: سقف الحرية منخفض، ومن يتجاوزه يدفع الثمن.

إن تبرير الاعتقالات بذريعة “الظروف الأمنية” لم يعد يقنع أحدًا. فالأمن الحقيقي لا يُبنى بإسكات الناس، ولا تُحمى الجبهة الداخلية عبر ملاحقة الأصوات الناقدة. على العكس، المجتمعات التي تسمح بالنقاش والمساءلة هي الأقدر على تصحيح أخطائها وتعزيز صمودها. أما حين تتحول الكلمة إلى تهمة، والمنشور إلى ملف أمني، فإننا نكون أمام انزلاق خطير نحو دولة الخوف.

غزة اليوم تعيش واحدة من أقسى مراحلها؛ حصار ممتد، أزمات إنسانية خانقة، وندوب حرب لم تلتئم بعد. كان المنتظر أن تتسع المساحة لاحتضان الناس والاستماع إلى وجعهم، لا أن تُضاف إلى جراحهم جراحٌ جديدة عنوانها القمع والتضييق. إن اعتقال عبد الرؤوف ب بربخ، إن ثبت أنه على خلفية رأي، يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحول ما إذا كنا أمام إعادة إنتاج لسياسات أثبتت فشلها في الماضي.

القضية الفلسطينية لم تكن يومًا ملكًا لفصيل، ولا حقًا حصريًا لتنظيم. هي قضية شعب كامل، ومن حق هذا الشعب أن يسائل قياداته، وأن ينتقد أداء من يحكم باسمه، دون أن يُتهم أو يُلاحق. إن تحويل الخلاف السياسي إلى ملف أمني لا يخدم إلا تعميق الانقسام الداخلي، وتغذية مناخ الاحتقان، وإضعاف الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

الأخطر من الاعتقال ذاته هو ما يرافقه من مناخ ترهيب يدفع الكثيرين إلى الصمت القسري. فحين يرى الناس أن ناشطًا مثل عبد الرؤوف ب بربخ يُعتقل بسبب كلمة، فإنهم يعيدون حساباتهم، ويختار بعضهم الانكفاء، ويختار آخرون الهجرة، بينما يخسر الوطن طاقات كان أحوج ما يكون إليها.

كما أن هذه الممارسات تمنح خصوم الشعب الفلسطيني فرصة للطعن في صدقية الخطاب الوطني، وتقديم صورة قاتمة عن واقع الحريات. فلا يمكن الدفاع عن حق شعب في الحرية والاستقلال بينما تُقمع حرية أبنائه في الداخل.

إن المرحلة الراهنة تتطلب شجاعة سياسية لا أمنية؛ مراجعة جادة تعيد الاعتبار لحرية التعبير، وتؤكد أن النقد ليس خيانة، وأن المعارضة ليست جريمة. المطلوب الإفراج الفوري عن كل معتقل على خلفية الرأي، وفي مقدمتهم عبد الرؤوف ب بربخ، وفتح صفحة جديدة عنوانها الشراكة لا الإقصاء، والحوار لا الملاحقة.

فالوطن الذي يخاف من الكلمة، يضعف. والوطن الذي يحترمها، يقوى. وبين الطريقين تقف غزة اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تختار اتساع الصدر وقوة القانون، أو تمضي في مسار تضييق لا يورث إلا مزيدًا من الانقسام والمرارة.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.