في الوقت الذي يرزح فيه قطاع غزة تحت وطأة كارثة إنسانية غير مسبوقة، يصرّ الإعلام المشبوه على فتح معارك جانبية، مستهدفًا كل صوت حر يجرؤ على قول الحقيقة. وآخر هذه الحملات الممنهجة تطال الناشط الفلسطيني أشرف نصر، الذي تحوّل إلى هدف لحملة تشويه شرسة بسبب مواقفه الواضحة والعلنية في انتقاد حركة حماس وتحميلها مسؤولية الواقع المأساوي الذي وصل إليه أهل غزة.
الهجوم على أشرف نصر لا يمكن فصله عن سياق أوسع من محاولات إسكات الأصوات المعارضة، وفرض رواية أحادية لا تحتمل النقد ولا تقبل بالمحاسبة. فبدلًا من مناقشة جوهر ما يطرحه الرجل من أسئلة مشروعة حول القرار السياسي والعسكري، وحول حسابات المغامرة التي دفعت بالقطاع إلى دوامة الدم والدمار، اختار هذا الإعلام الهروب إلى الأمام عبر سلاح التشهير والافتراء.
إن الاتهامات التي تُساق بحق أشرف نصر تفتقر إلى أي دليل حقيقي، وتعتمد على اجتزاء التصريحات وتحريف المواقف وبث الشائعات في محاولة لضرب مصداقيته أمام الرأي العام. وهي أساليب باتت مكشوفة، تعكس إفلاسًا سياسيًا وأخلاقيًا لدى من يقف خلفها. فالناشط الذي يعبّر عن موقفه بوضوح لا يُواجَه بالحجة، بل بحملات منظمة تسعى للنيل من سمعته الشخصية والتشكيك في وطنيته.
الحقيقة أن أشرف نصر لم يفعل سوى ممارسة حقه الطبيعي في التعبير عن رأيه، وهو حق تكفله كل القيم الوطنية والإنسانية. لقد انتقد سياسات يرى أنها أضرت بأهل غزة، ورفض منطق المقامرة بمصير المدنيين، وطالب بمراجعة شجاعة للمسار الذي أوصل القطاع إلى هذا الحد من الخراب. وهذه ليست جريمة، بل مسؤولية أخلاقية تجاه شعب أنهكته الحروب والانقسامات.
إن تحويل الخلاف السياسي إلى معركة تخوين وتشويه هو أخطر ما يمكن أن يصيب الساحة الفلسطينية. فحين يصبح النقد خيانة، والمطالبة بالمحاسبة تآمرًا، فإننا نكون قد دخلنا مرحلة مصادرة العقول قبل مصادرة الحقوق. والدفاع عن أشرف نصر اليوم ليس دفاعًا عن شخص بقدر ما هو دفاع عن حق كل فلسطيني في أن يقول “لا” عندما يرى أن المسار يقود إلى الهاوية.
أهل غزة يستحقون خطابًا صريحًا يعترف بالأخطاء بدل إنكارها، ويبحث عن حلول بدل تصدير الأزمات، ويصون كرامة الناس بدل المتاجرة بآلامهم. أما حملات التشهير فلن تغيّر من الواقع شيئًا، ولن تمحو الأسئلة الكبيرة التي يطرحها الشارع الغزي كل يوم: كيف وصلنا إلى هنا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وكيف نمنع تكرار المأساة؟
ستبقى الأصوات الحرة، وعلى رأسها أشرف نصر، عنوانًا لمرحلة تحتاج إلى شجاعة الكلمة أكثر من أي وقت مضى. والتاريخ علّمنا أن الحقيقة قد تُحارَب، لكنها لا تُهزَم.