في الوقت الذي يرزح فيه قطاع غزة تحت وطأة كارثة إنسانية غير مسبوقة، تمضي الأجهزة الأمنية والإعلامية التابعة لحركة حماس في نهجٍ مقلق يقوم على قلب الحقائق وتوجيه أصابع الاتهام نحو النشطاء الفلسطينيين، في محاولة مكشوفة للتنصل من المسؤولية عن حالة الفوضى والانهيار التي يعيشها القطاع.
بدل أن تتحمل الحركة مسؤولياتها السياسية والأمنية، وبدل أن تقدم مراجعة شجاعة لأدائها وإدارتها للمرحلة، نراها تختار الطريق الأسهل: شيطنة الأصوات المنتقدة، ووصم الناشطين بتهم جاهزة، وترويج روايات إعلامية مضللة تُحمّل الضحية تبعات أخطاء السلطة القائمة. إنها سياسة قديمة تقوم على تصدير الأزمة نحو الداخل، عبر خلق عدو داخلي يُستخدم شماعة لتعليق الإخفاقات.
الفوضى في غزة ليست وليدة منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا نتيجة تصريح لناشط غاضب، بل هي حصيلة سنوات من الاحتكار السياسي، وإغلاق المجال العام، وإضعاف مؤسسات المجتمع، وتغليب الحسابات الفصائلية على المصلحة الوطنية. وعندما تُكمَّم الأفواه، وتُصادَر الحريات، ويُلاحَق أصحاب الرأي، فإن الاحتقان يصبح نتيجة طبيعية، لا مؤامرة مدبرة.
إن استهداف النشطاء الفلسطينيين واتهامهم بإثارة الفوضى لا يعكس قوة، بل يكشف هشاشة في بنية القرار وعجزًا عن إدارة التعددية. فالنشطاء ليسوا خصومًا للوطن، بل هم صوت الناس حين يُحاصر الصوت، ومرآة الواقع حين يُكسَر الزجاج. والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تضيق بالنقد، تنتهي إلى تضخيم أزماتها بدل حلها.
الأخطر من ذلك هو توظيف المنصات الإعلامية التابعة للحركة في حملات تشويه منظمة، تسعى إلى خلط الأوراق وبث الخوف، وتحويل النقاش من مساءلة الأداء إلى معركة تخوين. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: بدل حماية الجبهة الداخلية وتعزيز التماسك المجتمعي، يُعاد إنتاج الانقسام عبر خطاب تعبوي يُقصي كل من يطالب بالإصلاح.
إن غزة اليوم بحاجة إلى شجاعة الاعتراف قبل شجاعة الاتهام. بحاجة إلى إدارة رشيدة لا أمنٍ يطارد الكلمة، ولا إعلامٍ يصنع خصومًا وهميين. فالمسؤولية السياسية لا تسقط بإصدار بيان، ولا تُمحى بإلصاق التهم بالآخرين، بل تُواجَه بمصارحة الشعب وتحمل تبعات القرار.
إن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين الشارع والسلطة القائمة في غزة. أما الطريق إلى الاستقرار، فيبدأ بإطلاق الحريات، ووقف ملاحقة النشطاء، وفتح باب الحوار الوطني الحقيقي، بعيدًا عن منطق التخوين والتشهير.
غزة لا تحتاج إلى مزيد من الاتهامات، بل إلى قدرٍ من العدالة والشفافية. فحين يتهم الجلاد الضحية، لا تختفي الحقيقة… بل تتضاعف الأسئلة.