شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 28 فبراير 2026

حرب إيران… وجشع الأسواق في غزة: من يحاصر الناس أكثر؟

حرب إيران… وجشع الأسواق في غزة: من يحاصر الناس أكثر؟

بين أزيز الصواريخ في إيران، وارتباك المشهد الإقليمي، تتكشف في قطاع غزة أزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة اقتصاد. فمع كل توتر عسكري أو سياسي في المنطقة، يخرج علينا بعض التجار بسلوك بات مكشوفًا وممجوجًا: إخفاء البضائع، تخزين السلع الأساسية، ورفع الأسعار بشكل جنوني، وكأنهم ينتظرون الحروب كما ينتظر الصياد موسمه.

الحرب، أياً كان طرفها، تعني اضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف الشحن، ومخاوف من نقص الإمدادات. هذا مفهوم. لكن ما ليس مفهومًا ولا مقبولًا هو أن تتحول معاناة الناس إلى فرصة مضاربة، وأن يصبح الخوف الشعبي سلعةً أخرى تُباع وتشترى. ما يحدث اليوم ليس مجرد “تأثر بالسوق”، بل سلوك احتكاري واضح، يستند إلى منطق: “دعهم يخافون… سندفعهم لشراء أي شيء بأي سعر”.

من يصنع الأزمة فعلاً؟

حين يسمع المواطن البسيط عن حرب في إيران، يخشى من توسع المواجهة، من إغلاق المعابر، من توقف الإمدادات. هذا الخوف مشروع. لكن الأخطر أن يجد أمامه رفوفًا فارغة فجأة، أو أسعارًا تضاعفت خلال ساعات. هنا لا تكون المشكلة في الحرب البعيدة، بل في اليد القريبة التي أخفت السكر والزيت والطحين والدواء في المخازن انتظارًا لساعة الربح الأكبر.

الأزمة في غزة ليست جديدة. سنوات الحصار والانقسام والانهيار الاقتصادي جعلت المجتمع هشًا، وأي صدمة خارجية كفيلة بإرباك السوق. لكن هذه الهشاشة لا تبرر الجشع. بل على العكس، كان يفترض أن تخلق حسًا أعلى بالمسؤولية. من عاش الحصار، لا يجوز له أن يمارسه على أبناء شعبه من بوابة التجارة.

اقتصاد الخوف

هناك من يتقن الاستثمار في الخوف أكثر من الاستثمار في البضائع. يكفي تسريب شائعة عن نقص وشيك، أو التلميح إلى “إغلاق محتمل”، حتى يبدأ المواطنون بالتهافت. وفي الخلفية، تُدار اللعبة: تخزين متعمد، عرض محدود، سعر أعلى، وربح مضاعف.

هذا السلوك لا يضر فقط بالمستهلك الفقير، بل يضرب الثقة في السوق ككل. فعندما يشعر الناس أن التاجر يستغلهم في لحظة ضعف، تنهار العلاقة الأخلاقية التي يفترض أن تقوم بين البائع والمشتري. السوق ليس غابة، والتجارة ليست افتراسًا.

أين الرقابة؟

السؤال الذي يفرض نفسه: أين الجهات المسؤولة عن ضبط الأسواق؟ وأين القوانين التي تجرّم الاحتكار ورفع الأسعار دون مبرر حقيقي؟ في أوقات الأزمات، يجب أن تكون الرقابة أشد، والعقوبات أصرح، والإعلان عن المخالفين علنيًا. لأن التهاون مع تاجر واحد يعني فتح الباب لعشرة آخرين.

المطلوب ليس فقط جولات تفتيش شكلية، بل سياسة واضحة:

  • تسعيرة معلنة ومحددة للسلع الأساسية.
  • منع التخزين الاحتكاري تحت طائلة الغرامة والمصادرة.
  • خط ساخن فعّال لتلقي شكاوى المواطنين.

فالسكوت على جشع القلة هو مشاركة غير مباشرة في معاقبة الأغلبية.

البعد الأخلاقي

في مجتمع أنهكته الحروب، تصبح الأخلاق خط الدفاع الأخير. ليس مقبولًا أن يتحول الخبز إلى أداة ضغط، ولا أن يصبح الدواء رهينة الربح. من يرفع سعر حليب الأطفال في ظل التوترات الإقليمية لا يختلف كثيرًا عمن يطلق النار على الطمأنينة العامة.

التاجر الشريف هو من يثبت في العاصفة، لا من يرقص على إيقاعها. ومن يريد أن يُذكر باحترام، فليتذكر أن الربح الحقيقي هو في الثقة، لا في استغلال اللحظة.

رسالة إلى التجار

إذا كانت الحرب في إيران تثير القلق، فإن تحويلها إلى فرصة ابتزاز في غزة هو خيانة اجتماعية. الناس هنا لا تملك رفاهية الخيارات، ولا قدرة على تعويض خسائرها. كل زيادة في السعر تعني وجبة أقل على مائدة عائلة، ودواء مؤجلاً لمريض، ودينًا جديدًا يُضاف إلى دفتر المعاناة.

كفّوا عن صناعة الأزمات داخل الأزمة. لا تجعلوا من الحرب البعيدة حصارًا أقرب وأقسى. غزة لا تحتمل مزيدًا من الطمع، وأهلها يستحقون الحد الأدنى من العدالة في لقمة عيشهم.

في النهاية، قد تنتهي الحرب في إيران عاجلًا أم آجلًا، لكن آثار الجشع تبقى في ذاكرة الناس طويلًا. والتاريخ لا يرحم من تاجر بوجع شعبه.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.