شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 28 فبراير 2026

من قرارٍ وطني إلى ظلِّ الوليّ… حين تُرهن غزة لبوابة طهران

من قرارٍ وطني إلى ظلِّ الوليّ… حين تُرهن غزة لبوابة طهران

في لحظةٍ مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، تبدو حركة حماس وقد انزلقت من خطاب “القرار الوطني المستقل” إلى واقعٍ سياسيٍّ يشي بتبعيةٍ متزايدة لـإيران ونظامها الحاكم. لم يعد السؤال إن كان هناك دعمٌ إيراني، فهذا أمرٌ تعترف به الحركة نفسها، بل السؤال: ما الثمن السياسي والأخلاقي الذي يُدفع مقابل هذا الدعم؟ وهل بقي من استقلال القرار شيءٌ يُذكر؟

من الدعم إلى الارتهان

منذ سنوات، تباهت الحركة بعلاقاتها المتينة مع الحرس الثوري الإيراني، واعتبرت التمويل والتسليح والتدريب “شراكة مقاومة”. لكن الشراكات بين الدول والحركات لا تكون بريئة حين تكون غير متكافئة. حين يتحول مصدر السلاح إلى مصدر توجيه، ومصدر المال إلى محددٍ للسياسات، يصبح القرار مرهونًا، وتغدو الأولويات الفلسطينية خاضعةً لحسابات إقليمية لا تمتّ بصلةٍ لمعاناة الناس في غزة.

لم يعد خافيًا أن خطاب الحركة السياسي يتماهى، في محطاتٍ كثيرة، مع خطاب طهران. المواقف الإقليمية، الاصطفافات، حتى لغة البيانات؛ كلها تحمل بصمات المحور الذي تقوده إيران. وفي كل جولة تصعيد، يدفع الغزيون الثمن دمًا ودمارًا، بينما تُسجّل طهران نقاطًا في صراعها الأوسع مع خصومها في المنطقة.

غزة بين المطرقة والسندان

أهل غزة لا يحتاجون إلى شعارات عابرة للحدود؛ يحتاجون إلى كهرباء، ماء، دواء، وأفق سياسي ينقذهم من دوامة الحروب. لكن حين تُختزل غزة في كونها “ورقة ضغط” ضمن مشروعٍ إقليمي، تصبح حياة الناس تفصيلًا في معادلة أكبر. هنا يكمن جوهر المأساة: أن تُدار أرضٌ محاصرة بعقلية المحاور، لا بعقلية الإنقاذ الوطني.

لقد تحوّل القرار العسكري والسياسي في القطاع إلى جزءٍ من شبكة تحالفات عابرة للجغرافيا الفلسطينية. ومع كل تصعيد، يُطرح السؤال المرير: هل هذه المعركة تخدم مصلحة الفلسطينيين، أم تخدم رسائل متبادلة بين عواصم إقليمية؟ وحين تختلط البوصلة، تضيع الأولويات.

خطاب المقاومة أم وظيفة المحور؟

المقاومة، كمفهوم، حقٌّ مشروع للشعوب تحت الاحتلال. لكن المقاومة التي تُدار وفق أجندات خارجية تفقد جوهرها الوطني. حين يصبح التموضع الإقليمي أسبق من التوافق الفلسطيني الداخلي، وحين يُستبدل مشروع التحرر بمشروع الالتحاق بمحور، تتحول الحركة من فاعل وطني إلى لاعب ضمن رقعة شطرنج أكبر.

إن التبعية لا تُقاس فقط بحجم المال أو السلاح، بل بمدى استقلال القرار. فهل تملك الحركة اليوم قرارها الكامل؟ أم أن خطوط الاتصال مع طهران تمرّ عبرها الحسابات الكبرى، فتُرسم السياسات وفق مصالح تتجاوز حدود غزة والضفة؟

الثمن الباهظ

الثمن لا يُدفع في البيانات، بل في البيوت المهدمة، في الأطفال الذين يكبرون وسط الركام، وفي مجتمعٍ أنهكته الانقسامات والحصار. حين يُرتهن القرار، يُرتهن معه مصير شعبٍ بأكمله. وما يزيد الطين بلة أن أي نقدٍ لهذا المسار يُواجَه بتهم التخوين، بدل أن يُفتح باب المراجعة والمحاسبة.

إن أخطر ما في الارتهان أنه يُغلق أبواب البدائل. فكلما تعمّقت العلاقة غير المتكافئة مع إيران، تقلّصت فرص الانفتاح على محيطٍ عربي أوسع، وتراجع هامش المناورة السياسية، وازدادت عزلة غزة.

نحو استعادة القرار

القضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في محور، وأكبر من أن تُدار بمنطق الاصطفاف الإقليمي. المطلوب ليس قطع العلاقات، بل إعادة تعريفها على أساس الندية والمصلحة الوطنية الصرفة. فالدعم الذي يُقايَض بالقرار ليس دعمًا، بل قيدٌ سياسي.

إن استعادة القرار الوطني المستقل هي الخطوة الأولى لإنقاذ غزة من أن تكون ساحةً لتصفية الحسابات. والتاريخ لن يرحم من يضع مفاتيح مصير شعبه في جيب عاصمةٍ أخرى، أيًّا كانت تلك العاصمة.

غزة تستحق قيادةً تضعها أولًا، لا أن تضعها في آخر سطرٍ من بيانٍ إقليمي.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.