لم يكن ما تشهده إيران اليوم حدثًا مفاجئًا أو قدرًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من السياسات التي بُنيت على تصدير الأزمات بدل حلّها، وعلى إشعال الحروب بدل إطفائها. فالنظام الإيراني الذي أمضى سنوات وهو يغذّي الصراعات في العراق وسوريا واليمن ولبنان وغزة، يجد نفسه اليوم يشرب من الكأس ذاتها التي سقى منها شعوب المنطقة مرارة الدم والدمار.
على مدار عقود، لم تتعامل طهران مع محيطها العربي باعتباره فضاءً للتعاون والاستقرار، بل كساحة نفوذ مفتوحة. تحت شعارات “المقاومة” و“نصرة المستضعفين”، تمددت الميليشيات، وتفككت الدول، وتحولت العواصم العربية إلى خطوط تماس دائمة. في العراق، أُضعفت مؤسسات الدولة لصالح قوى مسلحة مرتبطة بالخارج، فغرق البلد في الفوضى والانقسام. وفي سوريا، ساهم التدخل الإيراني في إطالة أمد الحرب، لتتحول المدن إلى ركام، ويصبح الملايين لاجئين في أصقاع الأرض.
أما اليمن، فقد دفع ثمنًا باهظًا لصراعٍ لم يكن يومًا داخليًا خالصًا، حيث تحولت البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. وفي لبنان، أدى منطق السلاح خارج الدولة إلى انهيار اقتصادي وسياسي غير مسبوق، حتى بات المواطن اللبناني رهينة أزمة لا نهاية لها. وغزة، التي استُخدمت مرارًا كساحة رسائل إقليمية، دفعت ثمن الحسابات السياسية دمًا ودمارًا ومعاناة إنسانية مستمرة.
المفارقة أن النظام الذي اعتاد إدارة الحروب بالوكالة، بدأ يواجه اليوم ارتدادات تلك السياسة داخل حدوده وخارجها. فالمنطقة التي أُغرقت بالصراعات لم تعد كما كانت، والشعوب التي دفعت الثمن لم تعد تصدّق الشعارات ذاتها. ومع تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية، تتكشف حقيقة أن إشعال الحرائق في بيوت الآخرين لا يحمي بيت مُشعلها من الاحتراق.
لقد اعتمدت طهران طويلًا على فكرة أن الفوضى الإقليمية تمنحها القوة والنفوذ، لكنها تجاهلت حقيقة تاريخية بسيطة: الفوضى لا يمكن السيطرة عليها إلى الأبد. فالنار التي تُشعلها في الخارج لا بد أن تجد طريقها يومًا إلى الداخل، وحينها يصبح الخطاب الأيديولوجي عاجزًا عن إخفاء حجم الخسائر.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة للنظام الإيراني، بل لحظة مراجعة قاسية لسياسة قامت على توسيع النفوذ عبر الألم الإنساني. فالشعوب التي عانت في بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت وغزة لم تكن تبحث عن صراعات إقليمية، بل عن حياة كريمة واستقرار مفقود.
والدرس الأوضح في هذه اللحظة أن القوة الحقيقية لا تُبنى على الميليشيات ولا على الحروب بالوكالة، بل على الاستقرار والتنمية واحترام سيادة الدول. أما من يزرع الدمار، فلن يحصد في النهاية إلا عزلته… وربما الخراب نفسه الذي صدّره للآخرين.
في النهاية، تبدو الصورة اليوم واضحة: التاريخ لا ينسى، والسياسات التي تُبنى على الدم لا يمكن أن تنتج أمنًا دائمًا. وما يجري ليس سوى انعكاس متأخر لسنوات طويلة من التدخلات التي أعادت تشكيل المنطقة على إيقاع الأزمات. لقد دار الزمن دورته، وها هو الكأس الذي دار بين العواصم العربية يصل أخيرًا إلى يد من ملأه أول مرة