شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 3 مارس 2026

“الوطنية ليست ملكًا لأحد: لماذا تُخوِّن حماس أبناء غزة؟”

“الوطنية ليست ملكًا لأحد: لماذا تُخوِّن حماس أبناء غزة؟”

حين تعجز الحركات الأيديولوجية عن مواجهة النقد بالحجة، تلجأ إلى أقصر الطرق وأكثرها فجاجة: تخوين المعارضين. وهذا ما تفعله اليوم حركة حماس مع عشرات النشطاء الشباب الذين يرفعون صوتهم اعتراضًا على سياساتها في قطاع غزة، لا أكثر ولا أقل.

تهمة جاهزة في جيب السلطة

في قاموس حماس، لا وجود لمعارضة وطنية، ولا لموقف نقدي نابع من الحرص على الناس. هناك فقط ثنائية مريحة: إما أن تكون معها بالكامل، أو تُصنّف فورًا “عميلًا للاحتلال”.
هذه التهمة الخطيرة لم تعد تحتاج إلى دليل أو قرينة أو حتى منطق. يكفي أن ينتقد شاب سوء الإدارة، أو يطالب بوقف المغامرات العسكرية غير المحسوبة، أو يدافع عن حق الناس في حياة كريمة، حتى يُدفع إلى منصة الاتهام الأخلاقي والسياسي.

والسؤال البديهي: منذ متى أصبح الدفاع عن أهل غزة تهمة؟ ومن منح أي فصيل حق احتكار الوطنية وتوزيع صكوكها؟

إسكات الداخل بدل مواجهة الخارج

من المؤلم أن تُوجَّه البنادق الإعلامية إلى صدور شباب غزة، في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه البوصلة مصوبة نحو الاحتلال.
الطاقة التي تُهدر في ملاحقة النشطاء، وتشويه سمعتهم، والتحريض عليهم في الفضاء الرقمي، هي طاقة كان الأولى أن تُستثمر في حماية المجتمع، وترميم ما تهدّم، وبناء أفق سياسي واقعي يجنّب الناس مزيدًا من الكوارث.

إن التخوين كسلاح سياسي ليس علامة قوة، بل دليل هشاشة. الواثق من نفسه لا يخشى صوتًا مختلفًا، ولا يرى في كل نقد مؤامرة.

الشباب ليسوا أعداءً

جيل الشباب في غزة هو الجيل الذي دفع الثمن الأكبر:

  • بيوت مدمّرة
  • فرص عمل معدومة
  • حصار خانق
  • أفق سياسي مسدود

وحين يخرج بعضهم ليقول: “كفى مقامرة بمصيرنا”، فهم لا يخدمون الاحتلال، بل يصرخون دفاعًا عن حقهم في الحياة.
المعادلة البسيطة التي يحاول هؤلاء الشباب ترسيخها هي أن مقاومة الاحتلال لا تعني قمع المجتمع، وأن الصمود لا يعني إسكات الأصوات.

احتكار الوطنية خطر على القضية

الوطنية ليست ملكًا حصريًا لأي تنظيم، لا لحماس ولا لغيرها.
حين تتحول الفصائل إلى مرجعية مطلقة تعلو فوق المجتمع، يصبح النقد جريمة، والمساءلة خيانة، والحوار ضعفًا. وهذه بيئة تقتل السياسة وتستبدلها بالشعارات.

إن اتهام كل معارض بالعمالة يخلق مناخًا خانقًا يُرهب الناس، ويدفعهم إلى الصمت، لكنه في الوقت ذاته يُعمّق الفجوة بين الشارع والسلطة القائمة، ويغذّي الغضب المكبوت.

بين النقد والخيانة… خيط واضح

النقد فعل وطني حين يكون الهدف منه تصحيح المسار.
أما الخيانة فهي التعاون الفعلي مع العدو، وهو أمر يحتاج إلى أدلة قانونية لا منشورات تحريضية.
الخلط المتعمد بين الأمرين ليس بريئًا، بل أداة لإسكات الأصوات غير المرغوب فيها.

غزة ليست رهينة

غزة ليست ملكًا لفصيل، وليست رهينة خطاب تعبوي يُجرّم كل من يطالب بحياة طبيعية.
أهل غزة ليسوا وقودًا لصراعات داخلية أو إقليمية، بل بشر لهم حق في الأمن والعمل والكرامة.

إن استمرار سياسة التخوين سيقود إلى مزيد من الاحتقان الداخلي، ويضعف الجبهة المجتمعية بدل أن يقويها. والمفارقة أن أقوى المجتمعات في مواجهة الاحتلال هي تلك التي تسمح بتعدد الأصوات، لا تلك التي تخنقها.

الهجوم على النشطاء الشباب لأنهم ينتقدون سياسات حماس هو اعتراف ضمني بعدم القدرة على إقناعهم.
الوطن لا يُحمى بالتخوين، بل بالحوار.
والقضية لا تُصان بإسكات أبنائها، بل بإشراكهم.

وإن كانت حماس واثقة من صواب نهجها، فلتفتح باب النقاش بدل أن تفتح دفاتر الاتهام. فالوطن أكبر من أي فصيل، وغزة تستحق قيادة تسمع قبل أن تُخوّن، وتحاور قبل أن تُقصي.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.