شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 3 مارس 2026

حين يصبح النقد جريمة: دفاعًا عن هديل عويس في وجه حملات التخوين

حين يصبح النقد جريمة: دفاعًا عن هديل عويس في وجه حملات التخوين

الهجوم الذي تتعرض له الصحفية هديل عويس ليس حدثًا عابرًا في فضاء الإعلام العربي، بل حلقة جديدة في مسلسل التخوين الجاهز لكل صوت يجرؤ على انتقاد حركة حركة حماس أو مساءلة أدائها السياسي. فجأة، تحوّلت مواقفها النقدية إلى “تحريض على الفلسطينيين”، وكأن النقد السياسي أصبح مرادفًا للعداء الوطني، وكأن الفلسطينيين اختُزلوا في فصيل واحد لا يُسمح بالاقتراب منه.

خلطٌ متعمد بين الشعب والفصيل

الادعاء بأن هديل عويس “تحرّض على الفلسطينيين” يقوم على مغالطة خطيرة: مساواة الفلسطينيين جميعًا بحركة حماس. هذا الخلط ليس بريئًا، بل هو أداة لإسكات أي خطاب نقدي. فانتقاد أداء فصيل سياسي، أو الاعتراض على قراراته، أو تحميله مسؤولية سياسية عن نتائج خياراته، لا يعني بحال من الأحوال التحريض على شعبٍ كامل يدفع أثمان الصراعات من دمه وبيوته ومستقبله.

هديل عويس، في مواقفها المعلنة، لم تستهدف الفلسطينيين كهوية أو قضية، بل تناولت سياسات وخيارات حركة حماس، وهو حق مشروع لأي صحفي يمارس دوره المهني في التحليل والنقد. الفرق شاسع بين نقد الفعل السياسي وبين التحريض على الناس، ومن يتعمد طمس هذا الفرق إنما يسعى إلى صناعة عدو وهمي لتصفية حسابات سياسية.

الصحافة ليست بيانًا حزبيًا

الصحافة الحقيقية لا تعمل كناطق رسمي لأي فصيل، ولا تلتزم بالصمت عندما ترى خطأً أو مغامرة سياسية أو قرارًا ينعكس سلبًا على المدنيين. وظيفة الصحفي أن يسائل، أن يطرح الأسئلة الصعبة، وأن يرفض الاصطفاف الأعمى.

الهجوم على هديل عويس يكشف حساسية مفرطة تجاه أي صوت نسوي أو إعلامي مستقل يرفض الانخراط في جوقة التبرير. فبدل مناقشة مضمون ما تقوله، يُلجأ إلى تشويه النوايا، وإطلاق أوصاف جاهزة مثل “التحريض” و”العداء للقضية”، وهي تهم تُستخدم كثيرًا كسلاح لإرهاب الرأي المخالف.

حق الاختلاف لا يعني الخيانة

المشهد الإعلامي العربي بات يعاني من ثنائية مدمّرة: إما أن تكون مؤيدًا بالكامل، أو تُصنّف خائنًا ومحرّضًا. هذا المنطق الإقصائي يضرب جوهر أي نقاش عام صحي. فالفلسطينيون أنفسهم ليسوا كتلة واحدة، وفيهم من يؤيد حماس، وفيهم من يعارضها بشدة، وفيهم من يحمّلها مسؤولية سياسية عن واقع غزة. فهل كل هؤلاء “يحرّضون على الفلسطينيين”؟

إن تحويل الخلاف السياسي إلى معركة أخلاقية ضد الأشخاص يهدف إلى إسكات النقاش لا أكثر. ولو كان لدى خصوم هديل عويس حجج قوية، لردّوا بالحجة لا بحملات التشويه.

بين النقد والتحريض… الفارق الأخلاقي والقانوني

التحريض، بمفهومه القانوني والأخلاقي، هو الدعوة إلى الكراهية أو العنف ضد فئة بشرية بسبب هويتها. أما نقد فصيل سياسي بسبب مواقفه أو قراراته، فهو جزء من حرية التعبير التي يفترض أن نحميها لا أن نجرّمها.

لم تقدّم حملات الاتهام أي دليل واضح على أن هديل عويس دعت إلى العنف ضد الفلسطينيين أو انتقصت من إنسانيتهم. كل ما في الأمر أنها عبّرت عن موقف سياسي معارض لحماس. ومن الخطير جدًا أن يصبح هذا وحده كافيًا لإلصاق تهمة “التحريض”.

معركة الوعي لا تُحسم بالتخوين

القضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في فصيل، وأعمق من أن تُحمى عبر قمع الأصوات النقدية. الدفاع الحقيقي عن الفلسطينيين يبدأ بحماية حقهم في التعددية السياسية، وحق الإعلاميين في مساءلة كل القوى دون استثناء.

إن دعم هديل عويس اليوم ليس مجرد دفاع عن صحفية بعينها، بل دفاع عن مبدأ: أن النقد ليس خيانة، وأن معارضة فصيل سياسي لا تعني معاداة شعب بأكمله، وأن الصحافة إذا فقدت حقها في طرح الأسئلة الصعبة، تحوّلت إلى منشور دعائي لا أكثر.

وفي زمن تتكاثر فيه حملات التخوين، يبقى المعيار الأخلاقي بسيطًا: ناقش الفكرة، لا تُحاكم صاحبها. واجه الرأي بالرأي، لا بالتشويه. فحرية الكلمة، حين تُصان، تحمي الجميع… وحين تُقمع، لا ينجو أحد.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.