شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 4 مارس 2026

غزة بين نار القرار الواحد… وثمن يدفعه الأبرياء

غزة بين نار القرار الواحد… وثمن يدفعه الأبرياء

منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، لم تعد حركة حماس مجرد فصيل سياسي يختلف معه البعض أو يتفق، بل تحولت إلى سلطة أمر واقع تحتكر القرار، وتفرض خياراتها على أكثر من مليوني إنسان، دون تفويض انتخابي متجدد، ودون مساءلة حقيقية، ودون شراكة وطنية جامعة. والنتيجة بعد سنوات طويلة من الحكم المنفرد: واقع مثقل بالحروب، واقتصاد منهك، ومجتمع يدفع الثمن وحده.

حكم بلا شراكة… وقرار بلا محاسبة

منذ الانقسام الفلسطيني، دخلت غزة في نفق سياسي مظلم. أُقصيت القوى الأخرى، وجُمّدت الحياة الديمقراطية، وتعطلت الانتخابات، وتحولت المؤسسات إلى أذرع حزبية. لم يعد القرار في غزة قرارًا وطنيًا تشاركيًا، بل أصبح قرارًا أحاديًا تتحكم به قيادة الحركة وفق حساباتها الإقليمية وتحالفاتها الخاصة.

في كل محطة مفصلية، كانت غزة تُزج في جولات تصعيد عسكري دون أن يُسأل أهلها عن رأيهم. تُطلق الصواريخ، فيأتي الرد الإسرائيلي مدمّرًا، وتُهدم البيوت، وتُسوى الأحياء بالأرض، ثم يُقال للناس إن هذا “ثمن المقاومة”. لكن السؤال الذي يتردد في الشارع الغزي بصوت خافت خوفًا من الاتهام والتخوين: من يقرر؟ ومن يحاسب؟ ومن يدفع الثمن؟

اقتصاد رهينة… ومجتمع على حافة الانفجار

لم تكن الحروب وحدها هي الكارثة، بل طريقة إدارة الداخل أيضًا. سنوات من الضرائب الباهظة، والرسوم المتعددة، والجباية القاسية، في ظل بطالة قياسية وانعدام فرص العمل. الشباب إما عاطل عن العمل، أو ينتظر فرصة هجرة، أو يعيش على المساعدات.

تحولت غزة إلى اقتصاد مشوّه، يعتمد على المنح والمساعدات، بينما تُوجَّه الموارد المحدودة إلى أولويات عسكرية وأمنية. وفي كل مرة تشتد الأزمة، يُطلب من الناس الصبر، بينما يعيش أصحاب القرار في واقع مختلف، محاطين بالحماية والامتيازات.

تخوين المعارضين… وإسكات الأصوات

الأخطر من الفشل السياسي والاقتصادي هو تجريم الرأي الآخر. كل ناشط ينتقد، كل شاب يرفع صوته، كل صحفي يسأل سؤالًا مزعجًا، يصبح عرضة للتخوين: “عميل”، “مندس”، “متآمر”. هكذا تُغلق المساحات، ويُخنق النقاش العام، ويُدفع الناس إلى الصمت.

في مجتمع يعيش تحت الحصار والدمار، يفترض أن تكون الأولوية لحماية النسيج الداخلي، لا لتمزيقه. لكن سياسة القبضة الأمنية عمّقت الانقسام، وزادت الاحتقان، وراكمت الغضب المكبوت.

ارتهان القرار للمحاور الإقليمية

لم تعد غزة معزولة فقط بفعل الحصار الإسرائيلي، بل أيضًا بفعل ربط مصيرها بمحاور إقليمية متصارعة. تحالفات سياسية وعسكرية جعلت القطاع جزءًا من صراعات أكبر من حجمه، وأثقل من قدرته على الاحتمال. وحين تتغير حسابات تلك المحاور، يبقى أهل غزة وحدهم في الميدان، يواجهون القصف والدمار والفقر.

القضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في مشروع فصيل، وأسمى من أن تُستخدم ورقة في بازار إقليمي. وحين يُختزل الوطن في تنظيم، يصبح الخلاف معه كأنه خلاف مع “الثوابت”، بينما الحقيقة أن الوطن أوسع، وأعمق، وأبقى من أي حركة أو قيادة.

بين الشعارات والواقع

رفعت الحركة شعارات الصمود والتحرير، لكن الواقع يقول إن غزة بعد سنوات طويلة أصبحت أكثر هشاشة، وأشد فقرًا، وأعمق جرحًا. البيوت المهدمة ليست شعارات، والأطفال الذين فقدوا عائلاتهم ليسوا بيانات إعلامية، والشباب الذين ينتظرون تأشيرة خروج ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار.

ليس نقد السياسات خيانة، وليس الاعتراض على المغامرات العسكرية تراجعًا عن الحقوق الوطنية. على العكس، إن المساءلة هي جوهر العمل الوطني الحقيقي. فالشعب الذي لا يراجع تجاربه محكوم بتكرار مآسيه.

غزة تستحق حياة

أهل غزة لا يريدون خطابات حماسية بقدر ما يريدون كهرباء منتظمة، ومياه صالحة للشرب، وفرص عمل، ومستقبلًا لأطفالهم. يريدون إدارة رشيدة، وقرارًا وطنيًا جامعًا، ومصالحة حقيقية تنهي الانقسام، وتعيد الاعتبار لصوت الناس.

لقد آن الأوان لمراجعة جذرية، لا تبريرية. آن الأوان للاعتراف بأن السياسات التي أوصلت غزة إلى هذا الحال تحتاج إلى تغيير عميق، وأن احتكار القرار لم يجلب إلا مزيدًا من الويلات.

غزة ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا مختبرًا لتجارب سياسية وعسكرية. غزة وطن حيّ، وشعب يستحق أن يعيش بكرامة، بعيدًا عن الشعارات التي تُرفع عاليًا، بينما ينهار الواقع تحت أقدام أبنائه.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.