شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 4 مارس 2026

حماس وسياسة تخوين المعارضين: حين يصبح الاختلاف جريمة

حماس وسياسة تخوين المعارضين: حين يصبح الاختلاف جريمة

في المجتمعات الحيّة، يُعدّ الاختلاف السياسي علامة صحة. أما في البيئات التي تُدار بعقلية التنظيم المغلق، فإن الاختلاف يتحول إلى تهمة، والنقد إلى خيانة، والسؤال إلى جريمة. وهنا تبرز واحدة من أخطر الإشكاليات المرتبطة بأداء حركة حماس في قطاع غزة: سياسة تخوين المعارضين، ومهاجمتهم، وإلصاق الاتهامات الباطلة بهم لمجرد أنهم لا يرددون الخطاب الرسمي.

الوطنية المختطفة

حين تُختزل الوطنية في الانتماء لحركة بعينها، يصبح كل صوت خارج الإطار مشبوهاً بالضرورة.
تُصاغ المعادلة بصرامة:
إما أن تكون معنا بالكامل، أو أنت ضد “المقاومة”.
إما أن تبارك كل قرار، أو تُتهم بخدمة “أجندات مشبوهة”.

بهذه الثنائية القاتلة، تتحول الوطنية من قيمة جامعة إلى أداة إقصاء. ويُختطف مفهوم المقاومة ليصبح درعاً يحتمي به الخطأ السياسي من أي مساءلة. وكأن الدفاع عن الشعب لا يكتمل إلا بالصمت عن أخطاء من يدّعون تمثيله.

ماكينة الاتهام الجاهزة

المفارقة أن التهم غالباً ما تكون نمطية ومكررة:
“عميل للاحتلال”
“مدفوع من الخارج”
“يسعى لإضعاف الجبهة الداخلية”
“يبث الإحباط في صفوف الناس”

هذه الاتهامات لا تُبنى على أدلة، بل على رغبة في إسكات الصوت المختلف. فبدلاً من الرد بالحجة، يُلجأ إلى تشويه السمعة. وبدلاً من فتح حوار، تُفتح منصات التحريض. والنتيجة: مناخ عام من الخوف، حيث يفكر الناس ألف مرة قبل أن يكتبوا رأياً أو يطرحوا تساؤلاً مشروعاً.

الخوف كأداة سياسية

السياسة التي تقوم على التخوين لا تحتاج دائماً إلى قرارات مكتوبة أو بيانات رسمية. يكفي أن يرى المجتمع ما يحدث لمن يخرج عن الصف.
صحفي يتعرض لحملة تشهير.
ناشط يُستدعى للاستجواب.
شاب يُهاجم إلكترونياً لأن تغريدة له لم تعجب “الحرس الإلكتروني”.

هكذا تُدار المسألة: ليس بالضرورة عبر القمع الصريح، بل عبر خلق بيئة يشعر فيها الجميع أن ثمن الكلام أعلى من ثمن الصمت. ومع الوقت، يتحول الصمت إلى ثقافة، والخوف إلى قاعدة.

إضعاف المجتمع لا حمايته

الخطير في سياسة التخوين أنها لا تُضعف المعارض فقط، بل تُضعف المجتمع كله.
لأن المجتمع الذي يخاف من النقد، يفقد قدرته على التصحيح.
والحركة التي لا تسمع إلا صوتها، تعيش في فقاعة، وتعيد إنتاج أخطائها دون مراجعة.

القيادة القوية لا تخشى النقد، بل تحتاجه. أما القيادة التي تعتبر كل اختلاف تهديداً، فإنها تعترف ضمناً بهشاشتها. فالثقة الحقيقية تُبنى بالحوار، لا بالتهم الجاهزة.

بين المقاومة والمساءلة

ليس المطلوب من أي فصيل سياسي أن يتخلى عن قناعاته أو مشروعه، لكن المطلوب ألا يُحوّل المشروع إلى مظلة تمنع المحاسبة.
الدفاع عن غزة لا يعني إسكات أهلها.
حماية الجبهة الداخلية لا تعني خنقها.
والوحدة الوطنية لا تُبنى على الخوف، بل على الشراكة.

إن تخوين المعارضين ليس دليلاً على قوة، بل علامة قلق. وليس سلوكاً يعزز الصمود، بل يُعمّق الانقسام الداخلي. فالمجتمعات التي تُقصي أبناءها المختلفين، تزرع في داخلها بذور تفككها.

الخلاصة

سياسة تخوين المعارضين واتهامهم بالباطل ليست مجرد خطأ إعلامي أو انفعال سياسي عابر، بل نهج خطير يقوّض أسس الحياة العامة السليمة.
الاختلاف ليس خيانة.
والنقد ليس عمالة.
والمعارض ليس عدواً.

القضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في صوت واحد، وأغنى من أن تُدار بعقلية الإقصاء. ومن يريد فعلاً حماية المجتمع، فعليه أن يحمي حقه في الكلام قبل أي شيء آخر.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.