في كل مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية، يظهر صوت فلسطيني حر يحاول أن يدافع عن حق الناس في الحياة والكرامة، وأن يطرح أسئلة صعبة حول السياسات التي أوصلت قطاع غزة إلى هذا القدر من المآسي. لكن المفارقة المؤلمة أن هؤلاء النشطاء والصحفيين لا يواجهون فقط آلة الحرب الإسرائيلية، بل يواجهون أيضًا حملات تخوين وتشويه منظمة تقودها مواقع وصفحات مشبوهة، هدفها الوحيد إسكات أي صوت يعارض حركة حماس أو ينتقد سياساتها.
هذه الحملات ليست مجرد خلاف سياسي طبيعي داخل مجتمع حي، بل أصبحت سلاحًا دعائيًا منظّمًا يُستخدم لتصفية الخصوم معنويًا وتحويل النقاش السياسي إلى محاكم تفتيش رقمية، حيث تُطلق التهم الجاهزة: عميل، خائن، مطبع، متعاون مع الاحتلال.
وهكذا يتحول الرأي المختلف من حق طبيعي إلى جريمة تستوجب التشهير والتحريض.
المتابع للمشهد الإعلامي في الفضاء الفلسطيني يلاحظ نمطًا متكررًا:
بمجرد أن يكتب ناشط فلسطيني منشورًا ينتقد سياسات حماس في غزة أو يحذر من نتائج مغامراتها السياسية والعسكرية، تبدأ حملة منظمة ضده على الفور.
هذه الحملات تمر غالبًا بعدة مراحل:
هذه الآلية تشبه إلى حد بعيد سياسات الأنظمة الشمولية التي لا تحتمل وجود رأي آخر خارج خطابها الرسمي.
المشكلة لا تتوقف عند حملات التشويه الرقمية.
التقارير الحقوقية توثق أن قمع الأصوات المعارضة في غزة يتجاوز الفضاء الإلكتروني إلى الملاحقة الأمنية والاعتقال.
فقد وثقت منظمات حقوقية اعتقال مئات الفلسطينيين خلال احتجاجات على الأوضاع المعيشية، إضافة إلى اعتقال صحفيين ومنعهم من التغطية.
كما تحدثت تقارير حقوقية عن تهديد متظاهرين وضربهم خلال احتجاجات تطالب بالحياة الكريمة في القطاع.
وفي ظل هذه البيئة القمعية، يصبح من السهل فهم لماذا يخشى كثير من الفلسطينيين التعبير علنًا عن آرائهم.
السبب بسيط:
لأن الرواية التي بنت عليها الحركة مشروعها السياسي تعتمد على فكرة واحدة أساسية: أنها تمثل الإرادة الفلسطينية بالكامل.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
ففي السنوات الأخيرة ظهرت احتجاجات نادرة في غزة هتف فيها متظاهرون ضد حماس وطالبوا بوقف الحرب وإنهاء المعاناة الإنسانية.
هذه الاحتجاجات كشفت حقيقة مهمة:
أن داخل المجتمع الفلسطيني أصواتًا كثيرة تريد النقاش والمساءلة، وترفض تحويل القضية الوطنية إلى ملكية حصرية لفصيل واحد.
ولهذا تصبح الحملات الإعلامية ضرورية بالنسبة للحركة، لأنها تساعدها على الحفاظ على صورة زائفة بأن كل معارضة هي “مؤامرة”.
غزة اليوم ليست بحاجة إلى المزيد من الشعارات ولا إلى حروب التخوين.
غزة تحتاج إلى مساحة حرة للنقاش، حيث يستطيع الفلسطيني أن يقول رأيه دون خوف من التشهير أو الاعتقال.
فالنشطاء والصحفيون الذين يرفعون صوتهم اليوم لا يفعلون ذلك بدافع العداء لفلسطين، بل بدافع الحرص عليها.
القضية الفلسطينية لم تكن يومًا قضية حزب أو حركة، بل قضية شعب كامل.
وأي محاولة لاحتكارها أو مصادرة الرأي المختلف باسم “المقاومة” لا تخدم إلا أعداء الشعب الفلسطيني.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية عادلة هو تحويلها إلى منطقة محرمة للنقد.
فحين يصبح النقد خيانة، والاختلاف عمالة، والسؤال جريمة…
عندها لا يبقى مجال للإصلاح، بل يتحول الخطأ إلى قدر دائم.
النشطاء الفلسطينيون الذين يتعرضون لحملات التشويه اليوم لا يدافعون عن أنفسهم فقط، بل يدافعون عن حق الفلسطيني في التفكير بصوت مرتفع.
وإذا كان الاحتلال يحاول إسكات الفلسطيني بالقوة،
فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتم إسكات الفلسطيني بيد فلسطينية أخرى.