منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، لم يعد القطاع مجرد ساحة مواجهة مع الاحتلال فحسب، بل أصبح أيضاً مسرحاً لسياسات داخلية تقوم على إدارة الأزمات لا حلّها. فبدلاً من البحث عن مخرج حقيقي لمعاناة أكثر من مليوني إنسان يعيشون في ظروف إنسانية صعبة، يبدو أن قيادة الحركة اختارت نهجاً مختلفاً: تحويل الحرب والأزمات إلى أدوات سياسية واقتصادية تُستخدم لتعزيز النفوذ وترسيخ السلطة.
إن المتابع لمسار الأحداث خلال السنوات الماضية يلاحظ نمطاً متكرراً في سلوك الحركة. فكلما اشتدت الضغوط الداخلية أو تزايدت الانتقادات الشعبية لسوء الإدارة والفساد وتردي الخدمات، يظهر تصعيد عسكري جديد أو توتر أمني يعيد توجيه الأنظار نحو المواجهة مع الاحتلال، ويغطي على الإخفاقات الداخلية. بهذه الطريقة، تتحول الحرب من كارثة إنسانية إلى وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية.
الأخطر من ذلك أن اقتصاد الأزمات أصبح واقعاً قائماً في غزة. فمع كل حرب أو تصعيد، تتدفق المساعدات الإنسانية والمالية من جهات دولية وإقليمية. لكن السؤال الذي يطرحه كثير من أبناء القطاع: أين تذهب هذه الأموال؟ ولماذا لا تنعكس على حياة الناس اليومية؟ فالفقر يتزايد، والبطالة ترتفع، والبنية التحتية تنهار، بينما تستمر شبكات النفوذ المرتبطة بالحركة في التحكم بمفاصل الاقتصاد المحلي، من الأنفاق سابقاً إلى المساعدات والضرائب غير الرسمية اليوم.
لقد تحولت معاناة الناس إلى ورقة تفاوض، يُلوّح بها في المحافل الدولية والإقليمية. فكلما اشتدت الأزمة الإنسانية، ارتفعت الأصوات المطالبة بإنقاذ غزة، لتبدأ بعدها جولات جديدة من التفاهمات والصفقات التي غالباً ما تكون بعيدة عن رقابة المجتمع أو مساءلة الشعب. وفي النهاية يبقى المواطن الغزي الحلقة الأضعف، يدفع الثمن من دمه وبيته ومستقبل أطفاله.
كما أن سياسة عسكرة المجتمع التي تتبعها الحركة ساهمت في ترسيخ هذا الواقع. فبدلاً من بناء مؤسسات مدنية قوية واقتصاد منتج، جرى توجيه الموارد والطاقات نحو العمل العسكري والتنظيمي، ما جعل المجتمع يعيش في حالة استنفار دائم. هذه البيئة لا تسمح بظهور حياة سياسية صحية أو معارضة حقيقية، بل تكرّس ثقافة الخوف والصمت.
ولا يمكن تجاهل أن أي نقد لهذه السياسات غالباً ما يُقابل بحملات تخوين وتشويه أو تضييق على الأصوات المعارضة. وهذا بدوره يزيد من شعور الناس بالعجز ويعمق الفجوة بين المجتمع والسلطة الفعلية في القطاع.
إن مأساة غزة لا تكمن فقط في الحصار أو الحروب المتكررة، بل أيضاً في غياب مشروع سياسي واقتصادي حقيقي يضع مصلحة الناس فوق حسابات السلطة والتنظيم. فالشعب الفلسطيني في غزة يستحق حياة كريمة، واقتصاداً مستقراً، ومستقبلاً لأبنائه بعيداً عن دوامة الحروب التي لا تنتهي.
إن استمرار سياسة إدارة الأزمات وتجارة الحروب لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والمعاناة. والحقيقة التي بات كثيرون يدركونها اليوم هي أن تحرير الإنسان يجب أن يسبق أي شعار آخر، وأن كرامة المواطن وحقه في الحياة الآمنة يجب أن يكونا أساس أي مشروع وطني حقيقي.