في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها قطاع غزة، لم تكتفِ حركة حماس بإدارة الواقع السياسي والأمني بأسلوب قائم على القمع والهيمنة، بل طورت منظومة إعلامية موازية تقوم على نشر الشائعات وتزييف الحقائق بهدف تضليل الرأي العام والتغطية على سياساتها الفاشلة وجرائمها المتكررة بحق سكان القطاع. هذه السياسة لم تعد مجرد ممارسات عابرة، بل تحولت إلى نهج ممنهج يعتمد على الإعلام المسموم والحملات الدعائية المنظمة لتشويه الخصوم وتزييف الوعي الجمعي.
منذ سنوات، أدركت حركة حماس أن السيطرة على الرواية الإعلامية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. ولذلك أنشأت شبكة واسعة من الصفحات الإلكترونية والحسابات الوهمية والمواقع المشبوهة التي تتولى مهمة بث الأخبار الكاذبة وإعادة صياغة الأحداث بما يخدم مصالح الحركة. هذه الشبكة تعمل بطريقة مدروسة؛ تبدأ بإطلاق شائعة أو اتهام مفبرك، ثم يتم تضخيمه عبر عشرات الصفحات والمنصات حتى يبدو وكأنه “حقيقة متداولة”، في محاولة واضحة لخداع الجمهور وصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية التي يعاني منها الناس.
وغالبًا ما تستهدف هذه الحملات شخصيات وطنية أو صحفيين أو نشطاء يجرؤون على انتقاد ممارسات الحركة أو كشف فسادها. يتم اتهامهم بالخيانة أو العمالة أو نشر الفوضى، في محاولة لإسكات أي صوت معارض وترهيب الآخرين من مجرد التفكير في كشف الحقائق. هذا الأسلوب ليس جديدًا، لكنه أصبح أكثر شراسة في ظل تزايد الغضب الشعبي داخل غزة نتيجة الأوضاع الاقتصادية الكارثية والانهيار المعيشي الذي يعاني منه السكان.
في كثير من الأحيان، تُستخدم هذه الحملات الإعلامية لتغطية ملفات حساسة تتعلق بالفساد أو الاستغلال أو شبكات الاحتكار المرتبطة بقيادات في الحركة. فعندما ترتفع أصوات المواطنين احتجاجًا على غلاء الأسعار أو الأتاوات المفروضة على التجار أو احتكار السلع الأساسية، تظهر فجأة موجة من الأخبار الملفقة التي تتهم أطرافًا أخرى بالمسؤولية، أو تحاول خلق معارك وهمية لإشغال الرأي العام. إنها استراتيجية قديمة تقوم على قاعدة “اصنع ضجيجًا إعلاميًا حتى تختفي الحقيقة”.
كما تلجأ هذه المنظومة الدعائية إلى استغلال معاناة الناس نفسها كأداة للتلاعب بالمشاعر. يتم تصوير الحركة أحيانًا كضحية للمؤامرات أو كمدافع وحيد عن غزة، بينما يتم تجاهل دورها في تعميق الأزمات السياسية والاقتصادية التي يعيشها القطاع. وبذلك يتحول الإعلام من وسيلة لنقل الحقيقة إلى أداة للتضليل وصناعة الروايات المفبركة.
الأخطر من ذلك أن هذه الحملات لا تستهدف الداخل الفلسطيني فقط، بل تمتد إلى الفضاء العربي والدولي عبر منصات إعلامية متحالفة أو متعاطفة مع خطاب الحركة. يتم تقديم روايات انتقائية للأحداث، تُحذف منها الحقائق غير المريحة، وتُضاف إليها عناصر دعائية تهدف إلى تلميع صورة الحركة وإخفاء مسؤوليتها عن الكوارث التي حلت بغزة خلال السنوات الأخيرة.
لكن الحقيقة التي يصعب إخفاؤها مهما تضخمت آلة الدعاية هي أن الواقع على الأرض يفضح هذه الروايات. فالفقر المتزايد، والبطالة المرتفعة، والانهيار الاقتصادي، وانتشار شبكات الاحتكار والجباية، كلها مؤشرات واضحة على فشل السياسات التي تدير بها الحركة القطاع. ومع كل أزمة جديدة، يصبح من الصعب إقناع الناس بأن المشكلة مجرد “مؤامرة إعلامية” أو “حملة تشويه”، لأن المواطن البسيط يعيش تفاصيل الأزمة يوميًا.
لقد أدت هذه السياسة الإعلامية القائمة على التضليل إلى تآكل الثقة بين الناس والمؤسسات التي تدير القطاع. فكلما زادت الشائعات وازدادت محاولات التلاعب بالمعلومات، أصبح الجمهور أكثر تشككًا في كل ما يُنشر أو يُقال. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فالإعلام الذي كان يفترض أن يعزز الثقة تحول إلى عامل إضافي في تعميق أزمة الثقة داخل المجتمع.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتطلب فقط كشف الأكاذيب وتفنيد الشائعات، بل تحتاج أيضًا إلى تعزيز ثقافة الإعلام المسؤول الذي يضع الحقيقة فوق أي اعتبارات سياسية أو فصائلية. فالمجتمعات التي تُغرقها الدعاية المضللة تفقد قدرتها على فهم واقعها واتخاذ قراراتها بحرية، وتصبح أكثر عرضة للاستغلال من قبل القوى التي تمتلك أدوات السيطرة الإعلامية.
في النهاية، قد تنجح آلة الدعاية لبعض الوقت في إرباك المشهد وتضليل بعض المتابعين، لكنها لا تستطيع إخفاء الحقيقة إلى الأبد. فمعاناة الناس أقوى من أي رواية مصطنعة، والواقع الصعب الذي يعيشه سكان غزة يظل شاهدًا يوميًا على فشل السياسات التي تحاول بعض المنابر الإعلامية تبريرها أو التغطية عليها. الحقيقة قد تتأخر، لكنها في النهاية تجد طريقها إلى النور مهما حاولت حملات التضليل حجبها.