لم تعد المعركة في غزة مقتصرة على السلاح والواقع الميداني فقط، بل باتت تمتد إلى فضاء آخر لا يقل خطورة وتأثيراً: الفضاء الرقمي. هناك، تعمل حركة حماس منذ سنوات على تشغيل منظومة منظمة من الحسابات الوهمية والصفحات المجهولة والناشطين المأجورين، فيما يمكن وصفه بـ “الذباب الإلكتروني”، بهدف ترويج الأكاذيب، وتضليل الرأي العام، وتشويه كل صوت ينتقد سياساتها أو يكشف ممارساتها.
هذه المنظومة لم تنشأ بشكل عفوي أو عشوائي، بل تبدو أقرب إلى آلة دعائية متكاملة تعمل وفق منهج واضح: صناعة رواية بديلة، مهاجمة المخالفين، وإغراق الفضاء الرقمي بالضجيج حتى تضيع الحقيقة وسط سيل من الادعاءات والافتراءات.
يعرف المتابعون للشأن الغزي أن عشرات الصفحات والحسابات على منصات التواصل الاجتماعي تنشط بشكل متزامن عند كل حدث سياسي أو إنساني يتعلق بالقطاع. وبمجرد ظهور أي انتقاد لأداء حماس أو تساؤل حول سياساتها، تبدأ هذه الحسابات بحملة منظمة تقوم على:
بهذه الطريقة، يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة تشهير ممنهجة، يُراد منها إرهاب المعارضين معنوياً ودفعهم إلى الصمت.
أخطر ما في هذه المنظومة ليس فقط نشر الأكاذيب، بل الاستهداف الشخصي المنظم لكل من يجرؤ على انتقاد حماس. فالناشطون والصحفيون وحتى المواطنون العاديون قد يجدون أنفسهم فجأة أمام سيل من الاتهامات المفبركة والحملات المنظمة التي تشكك في وطنيتهم وسمعتهم.
وغالباً ما تُستخدم أساليب متعددة في هذا السياق، منها:
الهدف واضح: تحويل أي معارض إلى هدف للحملات الرقمية، حتى يصبح الثمن الاجتماعي والمهني لانتقاد الحركة مرتفعاً إلى حد يدفع كثيرين إلى التراجع عن التعبير عن آرائهم.
لا تكتفي هذه الشبكات بالدفاع عن الحركة، بل تسعى أيضاً إلى صناعة واقع بديل يختلف جذرياً عن معاناة الناس اليومية. ففي الوقت الذي يشتكي فيه سكان غزة من الفقر والبطالة والغلاء والدمار، تنشط هذه الحسابات في تصوير الأوضاع على أنها نتيجة مؤامرات خارجية فقط، مع تجاهل كامل لأي مسؤولية داخلية.
بل إن بعض الحملات تذهب إلى أبعد من ذلك، عبر اختلاق إنجازات وهمية أو تضخيم أحداث محدودة بهدف تحسين صورة الحركة، وإقناع الجمهور بأن كل الانتقادات ليست سوى “حملات تشويه”.
في العالم المعاصر، أصبحت الحروب الرقمية جزءاً أساسياً من الصراعات السياسية. غير أن استخدام هذه الأدوات لتضليل المجتمع نفسه وقمع النقاش الداخلي يمثل خطراً مضاعفاً، لأنه يضرب أسس الحوار المجتمعي ويقوض إمكانية المحاسبة والنقد.
فالسلطة التي تلجأ إلى الجيوش الإلكترونية لإسكات منتقديها لا تسعى إلى النقاش، بل إلى احتكار الرواية وفرض الصمت.
ورغم كل الضجيج الذي تصنعه هذه الحسابات، فإن الحقيقة تبقى أقوى من حملات التضليل. فمعاناة الناس في غزة ليست بحاجة إلى جيوش إلكترونية لشرحها، بل يراها الجميع في تفاصيل الحياة اليومية: من الفقر والبطالة إلى الأزمات الإنسانية المتلاحقة.
إن مواجهة الذباب الإلكتروني لا تكون بالصمت، بل بكشف الأساليب الدعائية وفضح حملات التضليل، والدفاع عن حق الناس في التعبير عن آرائهم دون تخوين أو تشهير.
فغزة التي دفعت أثماناً باهظة عبر سنوات طويلة تستحق نقاشاً حراً وصادقاً حول مستقبلها، لا فضاءً رقمياً تحكمه الجيوش الوهمية والأصوات المصطنعة.
وفي النهاية، قد تنجح الحملات الإلكترونية في إرباك الحقيقة لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع إخفاءها إلى الأبد. لأن الحقيقة، مهما حوصرت، تجد دائماً طريقها إلى النور.