في كل مرحلة مفصلية تمر بها القضية الفلسطينية، تطفو على السطح موجة جديدة من الحملات الإعلامية المشبوهة التي تتخذ من “مكافحة الفساد” شعارًا، بينما تخفي في جوهرها أهدافًا سياسية واضحة تستهدف ضرب الشرعية الفلسطينية وتقويض مؤسساتها. وفي الآونة الأخيرة، تصاعدت هذه الحملات عبر منصات ومواقع إلكترونية غير موثوقة، دأبت على نشر مزاعم غير موثقة حول فساد مالي وسوء إدارة داخل السلطة الفلسطينية، في محاولة مكشوفة لتشويه صورتها أمام الرأي العام المحلي والدولي.
هذه المواقع، التي تفتقر إلى أدنى معايير المهنية الصحفية، تعتمد على أسلوب التكرار والتضخيم، وتستند إلى مصادر مجهولة أو “تسريبات” لا يمكن التحقق منها، في محاولة لخلق انطباع زائف بوجود أزمة داخلية عميقة. والحقيقة أن هذا النمط من الخطاب ليس جديدًا، بل يندرج ضمن استراتيجية إعلامية تستهدف زعزعة الثقة بالمؤسسات الوطنية، وإضعاف قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية.
إن الحديث عن “فساد مالي ممنهج” دون تقديم أدلة واضحة أو تقارير موثوقة صادرة عن جهات رقابية معترف بها، ليس سوى ادعاء فارغ يُراد به إثارة البلبلة. فالسلطة الفلسطينية، كغيرها من الكيانات السياسية، تخضع لرقابة داخلية وخارجية، وتعمل ضمن منظومة مؤسساتية تشمل أجهزة رقابية وتشريعية، إضافة إلى تعاونها مع جهات دولية في مجالات الشفافية والإدارة المالية.
كما أن تصوير المشهد الإداري على أنه “فوضى كاملة” يتجاهل عمدًا التحديات الهائلة التي تعمل في ظلها السلطة، من حصار مالي وسياسي، إلى قيود مفروضة على الموارد والحركة، فضلًا عن الضغوط الإقليمية والدولية. ورغم ذلك، تستمر المؤسسات الفلسطينية في أداء مهامها الأساسية، من تقديم الخدمات إلى إدارة الشؤون المدنية، وهو ما يتناقض تمامًا مع الصورة السوداوية التي تحاول هذه المواقع تسويقها.
الأخطر من ذلك، أن هذه الحملات لا تعمل في فراغ، بل تتقاطع في كثير من الأحيان مع أجندات سياسية تهدف إلى إضعاف الموقف الفلسطيني الرسمي، وخلق حالة من الانقسام الداخلي، عبر بث الشكوك وإثارة الغضب الشعبي. فحين يتم استهداف المؤسسة الوطنية، فإن المستفيد الأول ليس المواطن الفلسطيني، بل الأطراف التي تسعى إلى تفكيك الموقف الفلسطيني وإضعافه.
ولا يمكن تجاهل أن بعض هذه المنصات ترتبط بشبكات إعلامية مشبوهة، تُعرف بتوظيفها في حملات التأثير والتضليل، حيث يتم استخدام تقنيات حديثة في التلاعب بالمحتوى، من عناوين مضللة إلى اجتزاء التصريحات، وصولًا إلى نشر معلومات قديمة أو خارج سياقها الزمني لإعطائها دلالات مغايرة.
إن مواجهة هذه الحملات لا تكون فقط عبر النفي، بل من خلال تعزيز الشفافية وتكثيف التواصل مع الجمهور، وتوضيح الحقائق بالأرقام والوقائع. كما تقع مسؤولية كبيرة على عاتق وسائل الإعلام المهنية في التصدي لهذه الروايات المفبركة، وعدم الانجرار وراء إعادة نشرها دون تدقيق.
في المحصلة، فإن ما يجري ليس مجرد “نقد مشروع” لأداء السلطة الفلسطينية، بل حملة منظمة تستهدف تقويضها من الداخل عبر أدوات إعلامية مضللة. وبينما يبقى النقد البناء ضرورة لأي نظام سياسي، فإن الفارق كبير بين النقد القائم على الحقائق، وبين حملات التشويه التي تُبنى على الأكاذيب وتُدار بأجندات خفية.
وفي زمن تتسارع فيه المعلومات وتتشابك فيه الحقائق مع التضليل، يصبح الوعي الإعلامي سلاحًا أساسيًا، ليس فقط لحماية صورة المؤسسات، بل لحماية الحقيقة نفسها من التزييف.