شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 23 مارس 2026

إعلام حماس… ماكينة تضليل أم أداة إدارة أزمة؟

إعلام حماس… ماكينة تضليل أم أداة إدارة أزمة؟

في ظل الكوارث المتراكمة التي يعيشها قطاع غزة، لم يعد السؤال الأهم يدور فقط حول حجم الدمار أو عدد الضحايا، بل حول الكيفية التي تُدار بها الرواية، ومن يتحكم بتوجيه وعي الناس وسط هذا الركام. هنا يبرز دور إعلام حركة حماس، ليس كوسيلة نقل للخبر، بل كأداة مركزية لإعادة تشكيل الواقع، وتوجيه الأنظار بعيدًا عن جذور الأزمة الحقيقية.

منذ سنوات، تبنّت حماس نموذجًا إعلاميًا قائمًا على تعبئة عاطفية مستمرة، تستند إلى خطاب تعبوي يُغلب الشعارات على الحقائق، ويُعيد إنتاج نفس السرديات مهما تغيّرت الوقائع. هذا الإعلام لا يعمل في فراغ، بل يتحرك ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى السيطرة على الرأي العام، وتحصين الحركة من أي مساءلة داخلية، حتى في أحلك الظروف.

الهروب إلى القضايا الفرعية

في كل مرة تتصاعد فيها حدة الانتقادات الموجهة لسياسات حماس، يُلاحظ نمط متكرر: ضخ قضايا جانبية، تضخيم أحداث ثانوية، أو إثارة سجالات هامشية، بهدف تشتيت الانتباه. بدلًا من فتح نقاش جاد حول أسباب الانهيار الإنساني، أو مساءلة القرارات التي قادت إلى هذا الواقع، يتم توجيه الجمهور نحو معارك افتراضية أو خلافات داخلية مصطنعة.

هذا الأسلوب ليس عفويًا، بل يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية التحكم بسردية الحدث. فحين ينشغل الناس بقضايا فرعية، تتراجع قدرتهم على رؤية الصورة الكاملة، وتضعف إمكانية تشكيل ضغط شعبي حقيقي للمحاسبة أو التغيير.

صناعة “العدو البديل”

أحد أبرز أدوات هذا الإعلام هو خلق “عدو بديل” عند الحاجة. بدل مواجهة الأسئلة الصعبة، يتم توجيه الاتهامات نحو أطراف أخرى: شخصيات مستقلة، صحفيين، أو حتى مواطنين يعبرون عن غضبهم. يتم وصمهم بالخيانة أو العمالة، في محاولة لإسكات أي صوت ناقد.

هذا الأسلوب لا يهدف فقط إلى تشويه الخصوم، بل إلى ترهيب المجتمع بأكمله، وإرسال رسالة واضحة: أي خروج عن الرواية الرسمية سيُقابل بحملة تشويه منظمة.

تزييف الأولويات

في خضم الأزمات الكبرى، يفترض أن يكون الإعلام مرآة للمعاناة، ومنصة لطرح الحلول. لكن ما يحدث هو العكس تمامًا. يتم إعادة ترتيب الأولويات بشكل يخدم بقاء السلطة، لا مصلحة الناس. تُبرز إنجازات رمزية أو خطابية، بينما تُهمش القضايا الحياتية الملحّة: الفقر، البطالة، انهيار الخدمات، وفقدان الأمان.

هذا التزييف لا يلغي الواقع، لكنه يؤجل مواجهته، ما يفاقم الأزمة على المدى الطويل.

بين التعبئة والحقيقة

لا يمكن إنكار أن أي حركة سياسية تحتاج إلى إعلام يدعم رؤيتها، لكن الفارق كبير بين إعلام يشرح المواقف، وآخر يعيد صياغة الواقع بالكامل. المشكلة تبدأ عندما يتحول الإعلام إلى أداة إنكار، بدل أن يكون وسيلة كشف.

في حالة غزة، الثمن لا يُدفع على مستوى الخطاب فقط، بل على مستوى حياة الناس اليومية. حين تُحجب الحقيقة، تُحجب معها فرص الإصلاح، ويُترك المجتمع يدور في حلقة مفرغة من الأزمات المتكررة.

ما يجري اليوم يطرح سؤالًا جوهريًا: هل إعلام حماس جزء من الحل، أم أحد أسباب تعقيد الأزمة؟ الإجابة لا تحتاج إلى تنظير بقدر ما تحتاج إلى قراءة هادئة للواقع. فالإعلام الذي يُستخدم لتوجيه الأنظار بعيدًا عن الكارثة، لا يمكن أن يكون أداة إنقاذ، بل يصبح جزءًا من المشكلة نفسها.

وفي ظل هذه المعادلة، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الناس، وقدرتهم على التمييز بين الخطاب والحقيقة، وبين من يسعى لحمايتهم، ومن يسعى فقط لحماية نفسه.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.