“الدياثة السياسية” ليست مجرد وصف عابر، بل حالة انحدار أخلاقي كامل، حين يتحول المسؤول عن حماية وطنه إلى بوابة لعبور الخراب. هي اللحظة التي يسقط فيها القناع، ويظهر الوجه الحقيقي لمن باعوا الأرض والناس بثمنٍ بخس، ثم وقفوا على الأطلال يبررون الجريمة بعبارات باردة، وكأن الدم مجرد تفصيل عابر في مشهدٍ عادي.
هي أن ترى النار تشتعل في بيتك، فتفتح لها الأبواب بدل أن تطفئها، ثم تدّعي أن الحريق قدرٌ لا يُرد. أن تُسلّم مفاتيح الوطن للغريب، وتدعوه ليدخل، يقتل، يدمر، ويهين، ثم تقف لاحقًا لتخطب في الناس عن الصبر والإيمان، وكأنك لم تكن شريكًا أصيلًا في الجريمة.
الدياثة السياسية هي خيانة مضاعفة؛ خيانة للفكرة، وخيانة للناس. هي أن تُفرّغ الشعارات من معناها، وتحول المقاومة إلى غطاء، والكرامة إلى لافتة، بينما الواقع مليء بالقمع، والاعتقالات، وتكميم الأفواه. هي أن ترفع صوتك عاليًا ضد العدو في العلن، بينما تمنحه كل ما يحتاجه في الخفاء.
هي أن تقتل الحقيقة، ثم تفرض على الناس تصديق الكذبة. أن تصنع واقعًا مشوّهًا، وتطالب الجميع بالتصفيق له. أن تُحاصر شعبك باسم حمايته، وتكسر إرادته باسم الدفاع عنه، ثم تتحدث عن المؤامرات وكأنك لست جزءًا منها.
وفي أقسى صورها، هي أن تُبرّر كل هذا بعبارة جاهزة: “هذه إرادة الله”. وكأن الله يحتاج إلى تزييفك، أو يبارك ظلمك، أو يرضى بأن يكون اسمه غطاءً لعجزك أو خيانتك. هنا تتحول الجريمة من فعل سياسي إلى سقوط أخلاقي عميق، لأن استدعاء القدر لتبرير الفشل هو أقسى أنواع التهرب من المسؤولية.
الشعوب لا تموت من الأعداء فقط، بل تموت حين يفقد قادتها الشرف، وحين يتحول الخوف إلى سياسة، والكذب إلى منهج، والانتهازية إلى عقيدة. تموت حين يصبح الخائن خطيبًا، والضحية متهمًا، والحقيقة جريمة.
لكن، ورغم كل ذلك، يبقى الوعي أخطر من كل أدوات القمع. لأن الشعوب قد تصمت، لكنها لا تنسى. وقد تُخدع، لكنها لا تُخدع إلى الأبد. وفي لحظةٍ ما، تسقط كل الأقنعة، ويُكتب التاريخ بلا رتوش، ويُعرف من كان يدافع، ومن كان يفتح الأبواب للغزاة ثم يختبئ خلف ستار “القدر”.
هناك فرق شاسع بين من يُهزم بشرف، ومن يبيع الهزيمة على أنها انتصار. وبين من يُجبر على الألم، ومن يصنعه بيديه ثم يتباكى عليه. وفي هذا الفرق تحديدًا، تُولد كل معاني السقوط… أو كل فرص النجاة.